(وَ) كما أننا وصينا الإنسان بعدم الشرك وعبادة الله الذي هو منعم حقيقي عليه كذلك (وَصَّيْنَا الْإِنْسانَ بِوالِدَيْهِ) اللذان هما سبب وجوده فكل واحد منهما منعم مجازي على الإنسان ، والوصية قول مؤكّد سواء كان في الحياة أو بعد الممات (إِحْساناً) أي أن يعمل الحسن ، وقوله سبحانه «إحسانا» من باب المبالغة مثل «زيد عدل» فيقدم لهما قطعة من الحسن ، أي أحسن الأعمال ، حتى كأن العمل ذات الحسن واللازم أن يخص الأم بزيادة الإحسان لزيادة أتعابها في سبيله (حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهاً) كارهة الحمل لمشقته في أغلب أوقات الحمل ، بل وكثيرا ما في أوله أيضا حيث الاضطرابات التي تطرأ على المرأة عند الحمل ، وحيث الحزن النفسي من أتعاب الحمل والطلق وغير ذلك (وَوَضَعَتْهُ) حين الولادة (كُرْهاً) لمشقات الولادة فهي كارهة (وَحَمْلُهُ وَفِصالُهُ ثَلاثُونَ شَهْراً) فإن الحمل ستة أشهر على الأقل ، والإرضاع سنتان فالمجموع ثلاثون شهرا ، تعاني فيها الأم مشاكل جمة من جهة الولد ، هذا بالإضافة إلى المشاكل في المستقبل التي تعانيها بسبب رعاية الولد وعنايتها به ، أليس بعد هذه الأتعاب تستحق الأم الإحسان إليها من جانب الأولاد ، وهنا ينقسم الأولاد إلى قسمين قسم يعمل بوصيتنا له في الإحسان إلى أبويه ، وقسم لا يعمل ، كما انقسم الناس أمام الله سبحانه إلى قسمين قسم مؤمن ، وقسم كافر ، فالقسم المطيع يكون حاله (حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ) استحكم قوته البدنية والعقلية ، كأن يشدّ من التبعثر ، وبهذا البلوغ يتمكن عقله من الفهم على وجوب الإحسان إليهما ، ويتمكن بدنه من القيام بخدمتهما (وَ) هذه الحالة تمتد حتى (بَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً) حيث القوة البدنية تأخذ بالضعف ، وحيث أن الغالب موت الأبوين قبل بلوغ الولد ذلك ، فلا حاجة لهما إلى خدمة الولد (قالَ) الإنسان يا (رَبِّ أَوْزِعْنِي) ألهمني وخذ أمامي حتى لا أنحرف عن الجادة ، فإن معنى وزعه : منعه (أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلى والِدَيَ) فإن قوة الشباب ذهبت احتاج الإنسان إلى الاستعانة بالله أكثر في التوفيق للشكر ، ولأن حالة الحدة تأخذ مجراها إلى الإنسان فهو يكون أبعد من الشكر ، لأن مشكلات الحياة تستفزه فيكون أقرب إلى الكفران ، والشكر للنعمة التي كانت على الوالدين ، نوع إطاعة لله وإحسانه إليها (وَ) أوزعني (أَنْ أَعْمَلَ صالِحاً تَرْضاهُ) فأريد منك يا رب أن توجه قلبي ولساني بالشكر ، وجوارحي بالعمل الصالح (وَ) يا رب أدعوك أن (أَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) اجعلهم صالحين ، و «في» باعتبار أن الصلاح يقع فيهم ، و «لي» باعتبار أن صلاح الذرية عائد إلى الوالدين ، سمعة وثوابا ، ولعل الإتيان بهذه الجملة هنا للدلالة على أن الإحسان إلى الأبوين يؤثر في إحسان الذرية للإنسان ، فصلاح الإنسان يسبب صلاح الذرية ، أما ما سلف مني من المخالفة ف (إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ) يا رب وأستغفرك عن ذلك (وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ) لك أعترف بذلك ، ليكون الإنسان أقرب إلى التواضع ، فالإنسان الحسن هو الذي عبد الله ولم يشرك به ، وأحسن إلى والديه من حين بلوغ أشده إلى حين أربعين سنة ، وحيث فقد الوالدين ببلوغ الأربعين دعا لهما ، واعترف بفضلهما ، وطلب من الله أن يعينه في المستقبل «حالة ضعفه» أن يشكره كما كان يشكره سابقا ، وطلب منه إصلاح ذريته .. وقد صبت هذه الحقيقة في هذا القالب البلاغي الرائع الذي يمشي بالإنسان من حين حمل الأم له إلى حين بلوغه أربعين سنة ، وإنما لم تختم الآية الإنسان ، إلى حين الموت لبقاء فجوة في النفس ، كما هي العادة في الألواح الجميلة ، ليذهب الخيال كل مذهب.