۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة الحج، آية ٤٠

التفسير يعرض الآية ٤٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ٱلَّذِينَ أُخۡرِجُواْ مِن دِيَٰرِهِم بِغَيۡرِ حَقٍّ إِلَّآ أَن يَقُولُواْ رَبُّنَا ٱللَّهُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّهُدِّمَتۡ صَوَٰمِعُ وَبِيَعٞ وَصَلَوَٰتٞ وَمَسَٰجِدُ يُذۡكَرُ فِيهَا ٱسۡمُ ٱللَّهِ كَثِيرٗاۗ وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ ٤٠

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

ثم بين سبحانه كيفية مظلوميتهم توضيحا لقوله «بأنهم ظلموا» (الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍ) وهم المهاجرون الذين أخرجهم الكفار لكثرة أذاهم ، حتى اضطروهم إلى الخروج من ديارهم في مكة ، بدون أن يكونوا قد اقترفوا إثما أو ذنبا (إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللهُ) فقد كان تمسكهم بالله سبحانه ، هو سبب إخراج الكفار لهم عن بلادهم ، والاستثناء منقطع ، وقد مر أن مثل هذا الاستثناء ، لكون الكلام في المستثنى منه مأخوذا على التجرد ، فالجملة تنحل إلى ثلاثة أشياء ، هكذا «لم يخرجوا من ديارهم» «إلا لقولهم ربنا الله» «وكان إخراجا بغير حق» لكن الاقتصاد في الكلام ، يوجب توصيف المستثنى منه بالجملة الثالثة ، ثم بين سبحانه ، أن الله يدفع غير المؤمنين بالمؤمنين ، حتى تبقى معالم الدين (وَلَوْ لا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ) أي أن الله سبحانه يدفع الكفار بسبب الأخيار وذلك الدفع بإيجابه سبحانه الجهاد والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والإرشاد ـ في الظاهر ـ ونصره سبحانه لهم ـ في الباطن ـ (لَهُدِّمَتْ) جميع آثار الأديان (صَوامِعُ) جمع صومعة ، وأصلها من الانضمام ، ومنه الأصمع للألصق الأذنين ، وكل منضم فهو متصمع ، والصوامع هي محلات العبادة للنصارى ، ولعل وجه تسميتها بهذا الاسم ، لأنها تضم العباد والرهبان (وَبِيَعٌ) جمع بيعة ، وهي الكنائس لليهود ، ومحلات عبادتهم ، ولعل وجه التسمية ، أن الإنسان الذي يراودها قد باع نفسه من الله سبحانه (وَصَلَواتٌ) أي محلات الصلاة ، بعلاقة الحال والمحل ، ولعله أريد به مواضع عبادة المجوس ، وفيها احتمالات أخر (وَمَساجِدُ) للمسلمين (يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيراً) الضمير إما عائد إلى المساجد ، أو إلى جميع ما تقدم ، والمراد أنها كانت تهدم كل في زمان النبي النافذ شرعه ، فكانت تهدم البيع في زمان موسى ، والكنائس في زمان عيسى عليه‌السلام ، وهكذا ، وأما أنها كانت تهدم في الوقت الحاضر ، فإن هذه المواضع للعبادة خير من عدمها بتسلط أهل الطبيعة ، والدهرية ، فإنها علائم من الدين ، وآثار من السماء ، وإن حرفها أهلها عن الأصل ، وكانت باطلة في زمان الإسلام ، غير المساجد ، فإنه سبحانه له علاقة بها ، في مقابل المعطلة والدهرية ، ومنه اغتنم المسلمون حين انتصر الفرس على الروم ، وكانوا يترقبون غلبة الروم ، لأنهم نصارى ، على الفرس عباد النار ، قال سبحانه (الم* غُلِبَتِ الرُّومُ* فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ* فِي بِضْعِ سِنِينَ) (1) (وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ) فإن من نصر شريعة الله ، كان الله ناصره ، وهذا من باب التشبيه ، وإلا فالله غني عن النصرة ، ثم إن الله ناصر لمن نصره طبيعي ـ كما هو غيبي مربوط بما وراء المادة ـ إذ المؤمن الذي يكمل قواه المادية ، ويبرز في الميدان ، يكون ضروريا بالقوتين المادية والروحية ، وللقوتين غلبة على القوة (1) الروم : 2 ـ 5. الواحدة في الطرف المقابل ، وهي القوة المادية المجردة ، أما من لا يكمل قواه المادية ، اعتمادا على قواه الروحية فقط ، فقد خرج عن أوامر الله سبحانه ، الذي قال (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ) (1) و (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ) (2) و (لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ) (3) و (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا) (4) و (أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ) (5) وغيرها (إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌ) يقوى على نصرة المؤمنين (عَزِيزٌ) قاهر لا يغلبه أحد.