قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ، إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ، وَإِن تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِّن قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ، أَوَلَمْ يَرَوْا كَيْفَ يُبْدِئُ اللَّهُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ، قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
القراءة:
قرأ أهل الكوفة إلا عاصما " أو لم تروا " بالتاء. الباقون بالياء. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو " النشاءة " بفتح الشين ممدودة - هنا - وفي النجم، والواقعة. الباقون - بسكون الشين مقصورا - ومن قرأ بالتاء، فعلى الخطاب تقديره: قل لهم يا محمد " أو لم تروا " حين أنكروا البعث والنشور " أو لم تروا كيف يبدئ الله الخلق " أي إذا أنكرتم الإعادة كان الابتداء أولى بالنكرة. وحيث أقروا بان الله خالقهم ابتداء فيلزمهم أن يقروا بالإعادة ثانيا. ومن قرأ بالياء، فعلى الاخبار عنهم " ويبدئ " فيه لغتان اتى بهما القرآن بدأ الله الخلق، وأبدأهم، قال الله تعالى " وهو الذي يبدؤ الخلق ثم يعيده " فمصدر أبدأ يبدؤ إبداءا، فهو مبدئ. ومن قرأ (بدأ) يبدؤ بدءا، فهو بادئ، وذاك مبدوء، ويقال: رجع عوده على بدئه بالهمز، وبدا يبدو، بغير همز: ظهر. وقال أبو عمرو (غلام تغلب): يجوز رجع عوده على بده - بغيره همز - بمعنى الظهور كقولهم: ما عدا مما بدا. والنشاءة والنشأة بالمد والقصر، لغتان. كقولهم: رأفة ورآفة، وكأبة وكآبة وهما مصدران. فالنشأة المرة الواحدة، يقال: نشأ الغلام، فهو ناشئ، وامرأة ناشئة، والجمع نواشئ، ويقال للجواري الصغار نشأ قال نصيب:
ولولا أن يقال صبا نصيب * لقلت بنفسي النشأ الصغار ( 1 )
وأنشأهم الله إنشاء، فهو منشئ، ونشت - بغير همز - ريحا طيبة، ورجل نشوان من الشراب. ورجل نشيان للخير إذا كان يتخير الخير، حكاه تغلب. قوله " وإبراهيم إذ قال " يحتمل نصبه أمرين:
أحدهما: أن يكون عطفا على قوله " وأرسلنا نوحا إلى قومه " وتقديره وأرسلنا إبراهيم أيضا.
الثاني: بتقدير واذكر " إبراهيم " حين " قال لقومه اعبدوا الله " وحده لا شريك له، واتقوا عقابه باتقاء معاصيه " ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون " ما هو خير لكم مما هو شر لكم. وقوله " إنما تعبدون من دون الله أوثانا " حكاية عما قال إبراهيم لقومه كأنه قال لهم ليس تعبدون من دون الله إلا أوثانا، وهو جمع وثن، وهو ما يعبد من دون الله. وقيل: ما يعمل من حجر وطين يسمى وثنا. و (ما) في قوله " إنما " كافة، وليست بمعنى الذي، لأنها لو كانت بمعنى الذي، لكان (أوثان) رفعا. وقوله " وتخلقون إفكا " أي تعملون أصناما، وسماها إفكا لادعائهم انها آلهة - وهو قول قتادة، والجبائي - وقال ابن عباس: وتصنعون كذبا، وتحقيقه يصنعون على ما يقدرون، ثم قال لهم إبراهيم أيضا ﴿ إن الذين تعبدون من دون الله ﴾ يعني الأصنام ﴿ لا يملكون لكم رزقا ﴾ أي لا يقدرون على أن يرزقوكم، وإنما يبتغى الرزق من القادر على المنع، وهو الله الرازق. والملك قدرة القادر على ماله أن يتصرف فيه أتم التصرف، وليس ذلك إلا لله - عز وجل - على الحقيقة لان له التصرف والقدرة على جميع الأشياء بلا مانع، والانسان إنما يملك ما يملكه الله، ويأذن له في التصرف فيه. فأصل الملك لجميع الأشياء لله. ومن لا يملك أن يرزق غيره لا يستحق العبادة، لان العبادة تجب بأعلى مراتب النعمة. والأصنام لا تقدر على ذلك، فإذا لا يحسن عبادتها. ثم قال لهم ﴿ وابتغوا عند الله الرزق ﴾ أي اطلبوا الرزق من عند الله دون من سواه ﴿ واعبدوه ﴾ على ما أنعم به عليكم من أصول النعم، وأعلى مراتب الفضل ﴿ واشكروا له ﴾ أيضا، لأنكم إليه ترجعون يوم القيامة فيجازيكم على قدر اعمالكم. فمن عبده وشكره جازاه بالثواب. ومن عبد غيره وكفر نعمه جازاه بالعقاب. ويقال: شكرته وشكرت له يؤكد باللام. فمعنى الشكر له اختصاصه بنفسه من غير احتمال لغيره. ثم قال ﴿ وإن تكذبوا ﴾ بما أخبركم به من عند الله، وما أدعوكم إليه من اخلاص عبادته ﴿ فقد كذب أمم من قبلكم ﴾ أنبياءهم الذين بعثوا فيهم وليس ﴿ على الرسول إلا البلاغ المبين ﴾ يعني الا أن يوصل إليهم ويؤدي إليهم ما أمر به لكونه بيانا ظاهرا يمكنهم معرفته وفهمه، وليس عليه حملهم على الايمان. ثم قال ﴿ أو لم يروا كيف يبدؤا الله الخلق ﴾ اي ألم يفكروا فيعلموا كيف اخترع الله الخلق من العدم ﴿ ثم يعيده ﴾ ثانيا إذا اعدمهم بعد وجودهم. قال قتادة: معنى ﴿ ثم يعيده ﴾ بالبعث بعد الموت. وقيل ينشئه بالاحياء ﴿ ثم يعيده " بالرد إلى حال الموت. والأول أصح ﴿ ان ذلك على الله يسير ﴾ غير متعذر، لان من قدر على الاختراع والانشاء أولا كان على الإعادة أقدر. ومعنى (يسير) لا تعب عليه فيه ولا نصب، وكل فعل كان كذلك، فهو سهل يسير. والاحتجاج في ذلك أن من قدر على ذلك قادر على ارسال الرسول إلى العباد. ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله ﴿ قل ﴾ لهؤلاء الكفار ﴿ سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الله الخلق ﴾ وفكروا في آثار من كان قبلكم، وإلى اي شئ صار أمرهم لتعتبروا بذلك فيما يؤديكم إلى العلم بربكم. وقوله ﴿ ثم الله ينشئ النشأة الآخرة ﴾ فالنشأة الآخرة إعادة الخلق كرة ثانية من غير سبب كما كان أول مرة، لان معنى الانشاء الايجاد من غير سبب ﴿ ان الله على كل شئ قدير ﴾ اخبار منه تعالى انه قادر على كل شئ يصح أن يكون مقدورا له.
1 - مر تخريجه في 4 / 304.