قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِضِيَاء أَفَلَا تَسْمَعُونَ، قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُم بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ، وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ، وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ، وَنَزَعْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا فَقُلْنَا هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾
يقول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله " قل " يا محمد لهؤلاء الكفار الذين عبدوا معي آلهة تنبيها لهم على خطئهم ﴿ أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا ﴾ أي دائما ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ بلا نهار ولا ضياء ﴿ من إله غير الله يأتيكم بضياء ﴾ كضياء النهار تبصرون فيه، فإنهم لا يقدرون على الجواب عن ذلك إلا بأنه لا يقدر على ذلك سوى الله تعالى، فحينئذ يلزمهم الحجة بأنه لا يستحق العبادة غير الله وهذا تنبيه منه لنبيه صلى الله عليه وآله ولخلقه على وجه الاستدلال على توحيده ويبطل ذلك قول من قال: المعارف ضرورية. لأنه لو كان تعالى معلوما ضرورة لما احتاج الامر إلى ذلك، لان كونه معلوما ضرورة يغني عن الاستدلال عليه، وما لا يعلم ضرورة من أمر الدين، فلا يصح معرفته إلا ببرهان يدل عليه. وقوله ﴿ أفلا تسمعون ﴾ معناه أفلا تقبلونه وتتفكرون فيه؟وفى ذلك تبكيت لهم على ترك الفكر فيه، لأنهم إذا لم يفكروا فيما يسمعونه من حجج الله فكأنهم ما سمعوه. وقيل في قوله ﴿ أفلا تسمعون ﴾ قولان:
أحدهما: أفلا تسمعون هذه الحجة فتتدبرونها وتعملون بموجبها إذ كانت بمنزلة الناطقة بأن ما أنتم عليه خطأ وضلال يؤدي إلى الهلاك.
الثاني: ان معناه أفلا تقبلون. ثم نبههم أيضا فقال ﴿ أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا ﴾ أي دائما ﴿ إلى يوم القيامة ﴾ بلا ليل تسكنون فيه، فإنهم لا يقدرون على الجواب عن ذلك إلا بما يدل على فساد معتقدهم، وهو انه لا يقدر على ذلك غير الله، فحينئذ تلزمهم الحجة بأنه لا يستحق العبادة سواه. وقوله ﴿ أفلا تبصرون ﴾ معناه أفلا تتفكرون فيما ترونه، لان من لا يتدبر بما يراه من الحجج والبراهين فكأنه لم يرها. وقيل معناه ألا تعلمون ثم قال ﴿ ومن رحمته ﴾ أي من نعمه عليكم أن ﴿ جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا ﴾ في الليل ﴿ ولتبتغوا من فضله ﴾ بالنهار بالسعي فيه، ولكي تشكروا هذه النعم التي أنعم بها عليكم، والهاء في قوله ﴿ لتسكنوا فيه ﴾ يحتمل وجهين:
أحدهما: ان يعود إلى الليل خاصة، ويضمر مع الابتغاء هاء أخرى.
الثاني: ان يعود الضمير اليهما إلا أنه وحد، لأنه يجري مجرى المصدر في قولهم: اقبالك وادبارك يؤذيني، والأول أصح، لان الليل للسكون فيه، والنهار للتصرف والحركة، ولكنه يحتمل ليكونوا في هذا على التصرف وفي ذاك على الهدوء وقطع التصرف، وإنما كان الفساد في إدامة النهار في دار التكليف، ولم يكن في دار النعيم، لان دار التكليف لابد فيها من التعب والنصب الذي يحتاج معه إلى الاستجمام والراحة، وليس كذلك دار النعيم، لأنه إنما يتصرف فيها بالملاذ. وقوله " أين شركائي الذين كنتم تزعمون " قد مضى تفسيره، وإنما كرر النداء ب? " أين شركائي الذين كنتم تزعمون " لان النداء الأول للتقرير بالاقرار على اليقين بالغي الذي كانوا عليه ودعوا إليه.
الثاني: للتعجيز عن إقامة البرهان لما طولبوا به بحضرة الاشهاد مع تقريع حاصل به بالاشراك بعد تقريع. ثم اخبر تعالى انه نزع " من كل أمة " من الأمم " شهيدا " يشهد على تلك الأمة بما كان فيها، ومعنى ﴿ نزعنا ﴾ أخرجنا وأحضرنا يقال: فلان ينزع إلى وطنه بأن يحن إليه حنينا يطالبه بالخروج إليه. قال قتادة ومجاهد: شهيدها نبيها الذي يشهد عليها بما فعلوه، وقيل هؤلاء الشهود: هم عدول الآخرة الذين لا يخلو زمان منهم يشهدون على الناس بما عملوا من عصيانهم. وقوله ﴿ هاتوا برهانكم ﴾ حكاية عما يقول الله تعالى للكفار في الآخرة فإنه يقول لهم هاتوا حجتكم على ما ذهبتم إليه ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ ثم اخبر تعالى انهم عند ذلك يعلمون ﴿ أن الحق لله ﴾ أي ان التوحيد لله والاخلاص في العبادة له دون غيره لان معارفهم. ضرورة ﴿ وضل عنهم ما كانوا يفترون ﴾ أي بطل ما عبدوه من دون الله، وافتراءهم هو ادعاءهم الإلهية مع الله تعالى.