وإذ قد سمعتم أيها المؤمنون بكيفية النار ، فاللازم أن تتوبوا ـ وأنتم في الدنيا ـ عن معاصيكم لئلا تدخلوها (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللهِ) من معاصيه وارجعوا إلى طاعته ، وتخصيص الخطاب بهم لأنهم المنتفعون به. (تَوْبَةً نَصُوحاً) أي خالصة لوجه الله سبحانه ، بمعنى بالغة في النصح وهو صفة التائب لأنه ينصح نفسه بالتوبة وإسناده إلى التوبة مجاز ، فإن الإنسان نصوح في التوبة ، والتوبة النصوح هي عبارة عن أن يندم الإنسان أشد الندم على المعصية ويعزم أقوى العزم على ترك مثلها في المستقبل ، ويأتي بلوازم التوبة من القضاء والكفارة ورد الحقوق وما أشبه (عَسى رَبُّكُمْ) أي لعل الله سبحانه إذا تبتم (أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ) أي يستر ويمحي (سَيِّئاتِكُمْ) أي معاصيكم ، وسمى العصيان سيئة لأنها تسيء إلى الإنسان (وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا) أي تحت قصورها وأشجارها (الْأَنْهارُ) من عسل وخمر ولبن وماء ، ويكون إدخال التائب الجنة في (يَوْمَ لا يُخْزِي اللهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ) أي لا يذلهم بدخول النار ، وكان الإتيان بهذه الجملة للترغيب في إدخال الإنسان نفسه في هذه الزمرة المفضلة. (نُورُهُمْ يَسْعى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ) فإن وجوههم وأيديهم اليمنى ـ التي تحمل الكتاب ـ تشع نورا يخرق ظلمات المحشر ، فإذا تحرك المؤمن كان النور يسبقه من أمامه ومن طرفه الأيمن (يَقُولُونَ) مخاطبين لله سبحانه (رَبَّنا أَتْمِمْ لَنا نُورَنا) بأن يضاعف ويكثر ، أو يستمر حتى آخر القيامة فلا يطفأ ، أو هو دعاء منهم في الدنيا ، بأن يوفقهم لما يكثر نورهم ، ويبقيه فلا يزول عنهم بالكفر والعصيان (وَاغْفِرْ لَنا) معاصينا (إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) من إتمام نورنا وغفران ذنوبنا ، وسائر ما تريده وهذا مدح له سبحانه في ضمن الدعاء ، فإنّ الدعاء المتضمن على الثناء أقرب إلى القبول.