وبعد أن نهى المسلمون من التقاتل ، نهوا عن الاستهزاء واللمز والنبز ، ومن الواضح أن كل مرتبة متأخرة أنزل من المرتبة السابقة ، ولذا جاء السياق لينهي عن الأنزال من تلك أيضا وهو سوء الظن ، فقال سبحانه (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِنَ الظَّنِ) أي الظن السيئ وإنما قال كثيرا لأنه لا بد وأن يوجد في الكثير من الظن السيئ الظن المحرم ، بخلاف قليل الظن فإنه بما لا يكون فيه المحرم ، بالإضافة إلى أن قليل الظن ليس تحت اختيار الإنسان فإنه حالة نفسية قد تأتي بدون الاختيار فلا يمكن النهي عنه ، أما كثير الظن فإنه تحت الاختيار إذ الكثرة لا تحصل إلا بالتتبع والانسياق وراء الإنكار ، وإنما نقول اجتنبوا كثيرا من الظن ل (إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ) وقد قرر في علم أصول الفقه وجوب الاجتناب من أطراف الشبهة المحصورة فإذا كان بعض الظن إثما وجب الاجتناب من الأطراف المحتملة لذلك ، والظن السيئ إما حرام بنفسه ، وإما حرّم لأنه مقدمة للعمل المحرم ، إذ الذي يظن سوء غالبا ما يرتب الأثر العملي على ظنه السيئ (وَلا تَجَسَّسُوا) لا تبحثوا عن عورات المسلمين وأمورهم الخفية (وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً) والغيبة هي ذكرك أخاك بما يكره ، ولو بالإشارة (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً) فالغيبة بمنزلة أكل لحم الأخ الميت في شدة قبحه وكراهته ، ولعل التشبيه من باب أن للأخ ذاتا وذكرا فكما أن قطع قطعة من لحمه ولوكها في الفم قبيح كذلك قطع قطعة من ذكره «عرضه» ولوكها في الفم كذلك ، وقد جعل كونه غائبا مثل كونه ميتا في عدم شعور كليهما بما يصنع بلحمه وبذكره (فَكَرِهْتُمُوهُ) فكما كرهتم أكل لحمه أكرهوا أكل عرضه (وَاتَّقُوا اللهَ) خافوه في عصيانه ، وإذا اتقيتم الله وتبتم عما سلف منكم ف (إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ) كثير قبول التوبة (رَحِيمٌ) يرحم العباد فلا يعاقبهم بعد توبتهم.