۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة غافر، آية ٦٠

التفسير يعرض الآية ٦٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَقَالَ رَبُّكُمُ ٱدۡعُونِيٓ أَسۡتَجِبۡ لَكُمۡۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَسۡتَكۡبِرُونَ عَنۡ عِبَادَتِي سَيَدۡخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ ٦٠

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

وإذ جرى حديث الإيمان والمتكبرين عن قبوله ، يأتي السياق لتوجيه الناس إلى الله سبحانه بالدعاء والضراعة إليه ، وأن من تكبر عنه ، فجزاؤه النار ، فالإيمان والدعاء ، كلاهما توجه إلى الله ، والاستكبار عن الإيمان وعن الدعاء كلاهما ابتعاد عنه ، وهنا مناسبة أخرى ، أن لا ييأس الكافر والعاصي ، فإن أبواب الدعاء بطلب التوبة ونحوه مفتوحة (وَقالَ رَبُّكُمُ) أيها الناس (ادْعُونِي) اطلبوا حوائجكم ، صغيرها وكبيرها (أَسْتَجِبْ لَكُمْ) «استجب» مجزوم جوابا للأمر ، أي إن تدعوني ، أستجب لكم (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِي) ومن جملتهم من يستكبر عن الدعاء ، إذ الدعاء قسم من العبادة ، فإن العبادة اعتراف الإنسان بسيادة الله ، والعمل طبقه ، والدعاء قسم منه (سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ) في الآخرة ، ولذا جيء ، ب «السين» (داخِرِينَ) من دخر ، بمعنى ذل وصغر ، وهم صاغرون ، في مقابل تكبرهم ، في الدنيا عن الدعاء ، ولا يقال : كيف قال سبحانه (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) وإنّا نرى أن كثيرا من الأدعية لا تستجاب؟ فإن الجواب ، أن القضية طبيعية ، أي أن من طبيعة الدعاء أن يستجاب ، كسائر القضايا ، فلو قلنا : الشمس مشرقة أو النار محرقة ، أو العقار الفلاني مقوي ، أو ما أشبه ، لم يناف مع عدم إشراق الشمس وقت الكسوف ، أو عدم إحراق النار إذا لم يشأ الله ، كنار إبراهيم ، أو عدم تقوية العقار في بدن بلغ من الضعف إلى حيث لا يتمكن من هضم العقار ، وهكذا في سائر القضايا ، فإن الملحوظ ، في أمثالها الطبيعة ، لا كل فرد ، والطبيعة قد يمنع عنها مانع ، أو عدم تمامية المقتضى ، وقد قال سبحانه (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) (1) ، فمن لم يف بعهده سبحانه ، بأن ارتكب الكفر والعصيان ، لم يكن عليه سبحانه ، أن يفي بما عهد ، وكذا قال تعالى : (إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) (2) فمن لم يتق ، لم يكن لدعائه ، قبول واستجابة .. ولا يقال : إنا لا نرى الفرق البين بين الداعي وغيره ، فلكل منهما مشاكل ولكل منهما سعادة؟ إذ الجواب أنه منقوض بمن يقول : إنا لا نرى فرقا بين من يراجع الطبيب ، وبين من لا يراجع ، فإن لكليهما صحة حينا ومرض حينا آخر ، والحلّ : إنا نرى الفرق شاسعا ، فالداعون ، أسعد هناء عيشا ، وأقل مشكلة من غيرهم ، وهذا يعلم ، عند المقايسة الدقيقة ، كما هو الجواب عن مثال مراجع الطبيب وغيره.