(يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي) جمع التي (آتَيْتَ) أي أعطيت (أُجُورَهُنَ) أي مهورهن ، فإن المهر أجر على البضع ، ولقد كان الرسول أعطى نساءه الموجودات عنده وقت نزول الآية ، مهورهن ، فليس القيد احترازيا ، بل توضيحيا ، والآية ، في مقام بيان النساء المحللات للرسول ، فالمعنى أنه يحل لك طوائف من النساء ، هؤلاء النسوة ، الموجودات عندك والوصيفات ، وبنات العم والعمة ، (1) من لا يحضره الفقيه : ج 3 ص 506. وبنات الخال والخالة ، والمرأة التي تهب نفسها للنبي ، ثم بيّن سبحانه أن للرسول الخيار في حفظ بعض زوجاته ، وطلاقها ، كما بيّن سبحانه ، أن لا يحل له أن يأخذ فوق هذا العدد الموجود عنده من سائر النساء ، أو تبدل بعضا ببعض ، بأن تطلق من زوجاته ، ليأخذ مكانها امرأة أخرى ، وقد خصه الله سبحانه بجواز التسع ، حين كف عنده ، ونزلت آية (مَثْنى وَثُلاثَ وَرُباعَ) (1) فتفضل الله سبحانه بإحلاله للرسول ، إبقاء جميع النسوة (وَ) أحللنا لك (ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ) أي الأمة ، وإنما سميت ملك اليمين ، لأن اليد اليمنى هي أكثر الأعضاء اكتسابا ، فيكون الثمن عليها والملك لها ـ مجازا ـ (مِمَّا أَفاءَ اللهُ عَلَيْكَ) أي أعطاك الله من الغنيمة والأنفال ، وسمي فيئا لأنه يرجع إلى صاحبه الأصلي ، وهو الرسول ، وكأن المال في يد الكفار مغصوب ، فإذا رجع بأمر الله إلى المؤمنين كان فيئا ورجوعا إلى أصحابه الأصليين ، وقد كانت زوجة النبي ، مما ملكت يمينه مارية القبطية أم إبراهيم (وَبَناتِ عَمِّكَ) والمراد مطلق الأعمام (وَبَناتِ عَمَّاتِكَ) والاختلاف بين العم والعمة بالإفراد والجمع للتفنن في الكلام ، الذي هو من أبواب البلاغة (وَبَناتِ خالِكَ وَبَناتِ خالاتِكَ) في اختلاف اللفظين ما تقدم (اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ) قال في المجمع : «إن المراد ببنات العمة ، نساء قريش ، وببنات الخالة نساء بني زهرة» (2) ، ولعل التخصيص بهؤلاء النسوة ، (1) النساء : 4. (2) مجمع البيان : ج 8 ص 170. لعدم وجود غيرهن عند الهجرة ، حتى تحل ، كما إن تخصيصهن يهاجرن معك ، لإفادة تحريم غير المهاجرات ـ ولم يعلم أن الحكم نسخ بعد ذلك ـ (وَ) أحللنا لك (امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِ) بأن قالت ، وهبت نفسي لك يا رسول الله ، فإنه يجوز له نكاحها ، والحلية بلفظ الهبة ، تخلص (إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ) يا رسول الله (مِنْ دُونِ) سائر (الْمُؤْمِنِينَ) فلا يحل لهم النساء ، بلفظ الهبة (قَدْ عَلِمْنا ما فَرَضْنا عَلَيْهِمْ فِي) أمر (أَزْواجِهِمْ) فإن المفروض للمؤمنين أن لا يتزوجوا فوق الأربع ، ولا أن ينكحوا بلفظ الهبة ، تمشيا مع نظام الصالح العام ، أما الرسول فقد استثنى له بعض الأحكام لظروف خاصة ، أحاطت به ، كما أنه وجب عليه أمور لتلك الظروف أيضا (وَ) قد علمنا ما فرضنا في (ما مَلَكَتْ أَيْمانُهُمْ) حيث أبحنا لك الصفوة من الغنائم ، إذا كانت جارية ، ولم تبحها للمؤمنين ، ومعنى قد علمنا ، أن هذا الحكم ليس اعتباطا ، وإنما صادر عن علم وحكمة بالمصالح والمفاسد العامة والخاصة ، ثم بيّن ذلك بقوله (لِكَيْلا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ) وضيق في أمر الأزواج ، فإن الرسول أكثر شغلا من أن يحرج عليه بعض الأمور الخاصة ، كما أنه يقع في ضيق ، إن أمر بطلاق ، أو فك بعض نسائه التسع (وَكانَ اللهُ غَفُوراً) لمن خالف الأوامر ، ثم تاب ، كما وقع العصيان من بعض الأزواج ، في قصة غنائم خيبر (رَحِيماً) يتفضل بالرحم والنعمة على رسوله والمؤمنين ، روى عن الإمام الباقر عليهالسلام ، أنه قال : جاءت امرأة من الأنصار إلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وهو في منزل حفصة ، والمرأة متلبسة متمشطة فدخلت على رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فقالت : يا رسول الله ، إن المرأة لا تخطب الزوج ، وأنا امرأة لا زوج لي منذ دهر ، ولا ولد ، فهل لك من حاجة؟ فإن تك فقد وهبت نفسي لك ، إن قبلتني ، فقال لها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : خيرا ، ودعا لها ، ثم قال : يا أخت الأنصار جزاكم الله عن رسول الله خيرا ، فقد نصرني رجالكم ، ورغبت فيّ نساؤكم ، فقالت لها حفصة : ما أقل حياءك وأجرأك وأنهمك للرجال؟ فقال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : كفي عنها يا حفصة ، فإنها خير منك ، رغبت في رسول الله ، فلمتيها وعبتيها ، ثم قال صلىاللهعليهوآلهوسلم للمرأة : انصرفي رحمك الله ، فقد أوجب الله لك الجنة لرغبتك فيّ ، وتعرضك لمحبتي وسروري ، وسيأتيك أمري إن شاء الله ، فأنزل الله عزوجل ، (وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً) (1) (2) ، وعن الصادق عليهالسلام ، قال : «تزوج رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بخمسة عشر امرأة ، ودخل بثلاثة عشر منهن ، وقبض عن تسع ، فأما اللتان لم يدخل بهما ، ف «عمرة» و «السناة» وأما الثلاثة عشر اللواتي دخل فيهن ، فأولهن «خديجة» بنت خويلد ، ثم «سودة» بنت زمعة ، ثم «أم سلمة» واسمها هند بنت أبي أمية ، ثم «أم عبد الله» ثم «عائشة» بنت أبي بكر ، ثم «حفصة» بنت عمر ، ثم «زينب» بنت خزيمة بن (1) الأحزاب : 51. (2) الكافي : ج 5 ص 568. الحارث أم المساكين ، ثم «زينب» بنت جحش ، ثم «أم حبيب» أرملة بنت أبي سفيان ، ثم «ميمونة» بنت الحارث ، ثم «زينب» بنت عميس ، ثم «جويرية» بنت الحارث ، ثم «صفية» بنت حيّ بن أخطب ، والتي وهبت نفسها للنبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، و «خويلة» بنت حكيم السلمي ، وكان له سريّتان يقسم لهما مع أزواجه «مارية القبطية» و «ريحانة الخندقية» ، والتسع اللواتي قبض عنهن ، عائشة ، وحفصة ، وأم سلمة ، وزينب بنت جحش ، وميمونة بنت الحارث ، وأم حبيب بنت أبي سفيان ، وصفية ، وجويرية ، وسودة ، وأفضلهن خديجة بنت خويلد ، ثم أم سلمة ، ثم ميمونة» (1).