وبمناسبة لزوم اتباع الوحي ، وعدم اتباع الكفار ، يأتي السياق ليقرر ، أنه لا يمكن للإنسان اتجاهان ، فليس له قلبان حتى يتجه بكل قلب إلى وجهة مضادة للوجهة الأخرى ، ولهذه العلة التي تقرر عدم إمكان اتجاهين يقرر السياق ، أن لا يمكن الجمع بين كون امرأة زوجة وأما ، أو كون رجل أجنبيا وولدا ، وبهذا يبطل أقوال وعادات جاهلية ، قال في المجمع : وقوله : (ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ) نزلت في أبي معمر جميل بن معمر بن حبيب النهري ، وكان لبيبا حافظا لما يسمع ، وكان يقول : إن في جوفي لقلبين ، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد ، وكانت قريش تسميه ذا القلبين ، فلما كان يوم بدر ، وهزم المشركون ، وفيهم أبو معمر ، وتلقاه أبو سفيان بن حرث ، وهو آخذ بيده إحدى نعليه ، والأخرى في رجله ، فقال له يا أبا معمر : ما حال الناس؟ قال : انهزموا ، قال : فما بالك إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك ، فقال أبو معمر : ما شعرت إلا أنها في رجلي ، فعرفوا يومئذ أنه لم يكن له إلا قلب واحد ، لما نسي نعله في يده (1) (ما جَعَلَ اللهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ) فإن كل إنسان له قلب واحد ، وذكر الرجل من باب المثال ، وإلا فالمرأة والطفل كذلك فلا يمكن أن يكون للإنسان اتجاهان ، اتجاه نحو الإيمان ، واتجاه نحو الكفر ، فيطيع الكفار ويطيع الله في آن واحد (وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللَّائِي) جمع التي ، والمراد بالأزواج الزوجات ، فإن زوج يطلق على الرجل ، والمرأة (تُظاهِرُونَ مِنْهُنَ) أي تقولون لهن «أنت عليّ كظهر أمي» فقد كانت العرب تطلق نساءها بهذا اللفظ ، فلما جاء الإسلام أبطل الطلاق به ، وإنما جعله موجبا للكفارة كما سيأتي تفصيله ، وكأنهم كانوا يقصدون أن الزوجة صارت كالأم ، فكما تحرم الأم تحرم الزوجة ، التي قيل لها هذا اللفظ (أُمَّهاتِكُمْ) فالزوجة لا تكون أما ، وإن قيل لها ألف لفظ (وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ) جمع دعي ، وهو ما كان مرسوما عند العرب ، أن يتخذ الرجل الرجل ابنا له فكان له ما للأب والابن في جميع المزايا الاجتماعية (أَبْناءَكُمْ) فإن التبني لا يجعل الأجنبي ابنا ، وإن تعارف الاجتماع على ذلك ، وقد أبطلت هذه الآية الكريمة عادتين ، كانتا عند العرب لم يرتض بهما الإسلام ، في أنظمته (1) مجمع البيان : ج 8 ص 117. وتشريعاته ، قال في المجمع : نزلت في زيد بن شراحيل الكلبي من بني عبد ود ، تبناه النبي قبل الوحي ، وكان قد وقع عليه السبي ، فاشتراه رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بسوق عكاظ ، فلما نبيء رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم دعاه إلى الإسلام ، فأسلم وقدم أبو حارثة مكة ، وأتى أبا طالب ، وقال سل ابن أخيك ، فإما أن يبيعه ، وإما أن يعتقه ، فلما قال ذلك أبو طالب ، لرسول الله. قال : هو حر ، فليذهب حيث شاء ، فأبى زيد أن يفارق رسول الله ، فقال حارثة : يا معشر قريش اشهدوا إنه ليس ابني ، فقال رسول الله : اشهدوا إنه ابني فكان يدعى زيدا بن محمد ، فلما تزوج النبي زينب بنت جحش ، وكانت تحت زيد بن حارثة ، قالت اليهود والمنافقون : تزوج محمد امرأة ابنه ، وهو ينهي الناس عنها؟ فقال رسول الله : ما جعل الله من تدعونه ولدا ، وهو ثابت النسب من غيركم ولدا لكم. (1) (ذلِكُمْ) «كم» خطاب ، و «ذلك» إما إشارة إلى كل واحد من الأمرين «الظهار» و «التبني» أو إلى الأمر الثاني فقط (قَوْلُكُمْ بِأَفْواهِكُمْ) فهو لفظ تقولونه ، لا يوجب حقيقة وواقعا (وَاللهُ يَقُولُ الْحَقَ) في أنه لا تصبح الزوجة أمّا ، والأجنبي ولدا بمجرد هذا اللفظ ، ولم يكن تبني الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم لزيد بمعناه الجاهلي ، حتى يقال : كيف يمكن أن يعمل الرسول شيئا غير ممضي من قبل الله سبحانه؟ بل للتشريف ، كما قال الإمام المرتضى : «محمد ابني من صلب أبي بكر» (2) وهذا كان في مقابل طرد أبيه ، وسلبه شرفه الانتسابي ، فشرفه الرسول بالنسبة إلى نفسه من قبيل «سلمان منا أهل البيت» (3) (وَهُوَ) (1) بحار الأنوار : ج 22 ص 172. (2) بحار الأنوار : ج 42 ص 162. (3) بحار الأنوار : ج 11 ص 313. سبحانه (يَهْدِي السَّبِيلَ) أي يرشد إلى الطريق الحق ، ويدل عليه.