۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة لقمان، آية ١٢

التفسير يعرض الآية ١٢

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا لُقۡمَٰنَ ٱلۡحِكۡمَةَ أَنِ ٱشۡكُرۡ لِلَّهِۚ وَمَن يَشۡكُرۡ فَإِنَّمَا يَشۡكُرُ لِنَفۡسِهِۦۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٞ ١٢

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

وإذ كان الكلام حول التوحيد والشرك ، ينتقل السياق إلى قصة «لقمان» الحكيم الذي كان يأمر بالتوحيد ، وينهى عن الشرك (وَلَقَدْ آتَيْنا) أي أعطينا (لُقْمانَ الْحِكْمَةَ) وهو معرفة مواضع الأشياء ، وعلم الارتباط بين الأسباب والمسببات ، بحيث يعلم كيف ينهج الإنسان ، حتى يسعد في الحياة ، عن الصادق عليه‌السلام إنه سئل عن لقمان وحكمته التي ذكرها الله عزوجل فقال : أما والله ، ما أوتي لقمان الحكمة بحسب ولا مال ولا أهل ، ولا بسط في جسم ، ولا جمال ، ولكنه ، كان رجلا قويا في أمر الله متورعا في الله ساكتا سكّيتا عميق النظر طويل الفكر حديد النظر مستغني بالعبر ، لم ينم نهارا قط ، ولم يتك في مجلس قط ، ولم يتفل في مجلس قط ، ولم يعبث بشيء قط ، ولم يره أحد من الناس على بول ولا غائط ، ولا اغتسال لشدة تستره ، وعمق نظره ، وتحفظه في أمره ، ولم يضحك من شيء قط ، مخافة الإثم في دينه ، ولم يغضب قط ، ولم يمازح إنسانا قط ، ولم يفرح بشيء ، بما أتاه من الدينا ، إن أتاه من أمرها ، ولا حزن منها على شيء قط ، وقد نكح من النساء ، وولد له الأولاد الكثير ، وقدم أكثرهم إفراطا ، فما بكى على موت أحد منهم ، ولم يمر برجلين يختصمان ، أو يقتتلان إلا أصلح بينهما ، ولم يمض عنهما حتى تحابا ، ولم يسمع قولا قط عن أحد استحسنه إلا سأله عن تفسيره ، وعن من أخذه فكان يكثر مجالسة الفقهاء والحكماء ، وكان يغشي للقضاة والملوك ، والسلاطين ، فيرثي القضاة مما ابتلوا به ، ويرحم الملوك والسلاطين ، لعزتهم بالله وطمأنينتهم في ذلك ، فيعتبر ويتعلم ما يغلب به نفسه ، ويجاهد به هواه ، ويحترز به من الشيطان ، وكان يداوي قلبه بالتفكر ، ويداوي نفسه بالعبر ، وكان لا يصغي إلا فيما ينفعه ، ولا ينظر إلا فيما يعنيه ، فبذلك أوتي الحكمة ، ومنح العصمة ـ أي الاعتصام من الزلل ـ وإن الله تبارك وتعالى ، أمر طوائف من الملائكة ، حين انتصف النهار ، وهدأت العيون بالقائلة ، فنادوا لقمان حيث يسمع ، ولا يراهم ، فقالوا : يا لقمان ، هل لك أن يجعلك الله خليفة في الأرض ، تحكم بين الناس؟ فقال لقمان : إن أمرني ربي بذلك ، فالسمع والطاعة ، لأنه إن فعل بي ذلك ، أعانني عليه ، وعلّمني وعصمني ، وإن هو خيّرني قبلت العافية ، فقالت الملائكة : يا لقمان لم قلت ذلك ، قال : لأن الحكم بين الناس بأشد المنازل من الدين ، وأكثر فتنا وبلاء ما يخذل ، ولا يعان ، ويغشاه الظلم من كل مكان ، وصاحبه منه بين أمرين ، إن أصاب فيه الحق ، فبالحري أن يسلم ، وإن أخطأ أخطأه طريق الجنة ، ومن يكن في الدنيا ذليلا ضعيفا كان أهون عليه في المعاد ، من أن يكون فيها حكما سريا شريفا ، ومن اختار الدنيا على تلك الآخرة يخسرهما كلتيهما ، تزول هذه ، ولا يدرك تلك ، قال : فعجبت الملائكة من حكمته ، واستحسن الرحمن منطقه ، فلما أمسى ، وأخذ مضجعه من الليل ، أنزل الله عليه الحكمة ، فغشاه بها من قرنه ، إلى قدمه ، وهو نائم ، وغطاه بالحكمة غطاء فاستيقظ ، وهو أحكم الناس في زمانه ، وخرج على الناس ، ينطق بالحكمة ويبثها فيهم (1) ، وقلنا له (أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ) فيما أعطاك ، والشكر هو صرف النعمة ، فيما أمر الله سبحانه (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّما (1) بحار الأنوار : ج 13 ص 409 ـ 411. يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ) فإن فائدة شكره تعود على نفسه ، فإن الشكر يوجب الزيادة في النعم والثواب في الآخرة (وَمَنْ كَفَرَ) بأن لم يشكر ، وصرف النعم في معصية الله ، كأن يصرف نفسه وماله في الكفر والشرك والفسوق والعصيان (فَإِنَّ اللهَ غَنِيٌ) عن شكر الشاكرين ، والتقدير ، ومن كفر فليعلم إنه لا يضر الله ، لأنه سبحانه غني (حَمِيدٌ) محمود على أفعاله ، فإن ترك هذا الإنسان للحمد والشكر ، لا يخرج الله عن كونه محمودا في السماوات والأرض.