ثم استدل سبحانه على من ينكر البعث (يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ) أي في شك (مِنَ الْبَعْثِ) يوم القيامة ، الذي يبعث ويحيى فيه الأموات ، لاستغرابك أن يعود الإنسان حيا بعد ما مات وفنى؟ فاعتبروا بحالكم عند ابتداء الخلقة ، إذ إنا (خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ) أي خلقنا كل فرد منكم من الأرض ، إذ الإنسان تراب ثم نبات يأكله الإنسان والحيوان ـ الذي يأكله الإنسان ـ فيصير دما ثم منيا ، ثم إنسانا ، أو المراد ب «خلقناكم» خلقنا جدكم «آدم» عليهالسلام ، ومن قدر على صنع الإنسان من تراب يقدر على إعادته من تراب (ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ) فإن الإنسان بعد أن يصبح منيا يكون نطفة ، وهي المني المستقر في الرحم (ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ) وهي القطعة من الدم المتجمد ، فإن النطفة تنقلب علقة بعد مدة من بقائها في الرحم (ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ) وهي شبه قطعة ممضوغة من اللحم ، فإن معنى المضغة مقدار ما يمضغ بالأسنان. (مُخَلَّقَةٍ) تلك المضغة (وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ) أي تام الخلقة وغير تام ، أو متخذة شكلا بتحولها إلى العظم واللحم والصورة ، أو تلفظها الرحم قبل ذلك فلا تتخذ خلقه الإنسان ، وبناء على هذا المعنى يكون معنى «خلقناكم» إن أصل الإنسان هكذا ، حتى يلائم «غير مخلقة» وإنما طورنا الإنسان في هذه المراحل (لِنُبَيِّنَ لَكُمْ) قدرتنا ، وندلكم على وجودنا وسائر صفاتنا ، فمن يا ترى يقدر على مرحلة واحدة من هذه المراحل؟ (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحامِ ما نَشاءُ) من ولد وبنت ، تام وغير تام ، واحد ومتعدد ، حسن أو قبيح ، وهكذا (إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي مدة محدودة قد سميت عندنا ، فمقدار بقاء الجنين في الرحم محدود معين عند الله سبحانه (ثُمَ) بعد تمام الأجل المقدر (نُخْرِجُكُمْ) أيها البشر (طِفْلاً) ، وإنما جاء في اللفظ مفردا ، باعتبار كل واحد واحد (ثُمَ) نسير بكم في مراحل الطفولة (لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ) أي وقت اشتداد القوى العقلية والبدنية والغريزية فيكم ، وهو مرحلة الشباب. (وَمِنْكُمْ) أي بعضكم (مَنْ يُتَوَفَّى) بصيغة المجهول ، والمتوفى ـ باسم الفاعل ـ هو الله سبحانه ، أي يكون موته قبل الكبر (وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ) أي يرجع (إِلى أَرْذَلِ الْعُمُرِ) أي أسوء العمر ، وإنما قال «يرد» لأن حالة الشيخوخة كحالة الطفولة ، فهو رد إلى تلك ، وإنما كان حال الشيخوخة أسوأ العمر مع أنه كحالة الطفولة ، لأن حالة الطفولة أفضل منها حيث أن الطفل في حالة النمو والاكتمال ، بخلاف حالة الشيخوخة ، فإن الإنسان معها في التردي والهبوط ، وإنما يرد الإنسان إلى أرذل العمر (لِكَيْلا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً) أي لكي يخرج عن ذلك العلم الذي أتاه ، فإن الإنسان ينسى معلوماته ويرتد جاهلا ـ أو شبه جاهل ـ واللام إما للعاقبة ، نحو (فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً) (1) وإما فيه تلميح إلى أنه يسلب ما كان يتطاول به ويجادل في الله بسببه ، أو لام الغاية ، أي يرد إلى هذا الحال ، فتضعف روحه كما ضعف جسمه ، أي نرده إلى هذه الحالة ، لكي لا يعلم ، ويصير كيوم طفولته. (وَ) كما جرت القدرة في خلق الإنسان بتلك الكيفية المتدرجة ، كذلك (تَرَى) أيها الرائي (الْأَرْضَ هامِدَةً) أي ساكنة يابسة ، لا حركة فيها ، ولا نبات ، (فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا) أي على الأرض (الْماءَ) من (1) القصص : 9. السماء بإنزال المطر ، أو نحوه (اهْتَزَّتْ) الأرض بالنبات ، والاهتزاز شدة الحركة في الجهات (وَرَبَتْ) أي انتفخت ونمت (وَأَنْبَتَتْ) الأرض (مِنْ كُلِّ زَوْجٍ) صنف من أصناف النبات (بَهِيجٍ) مبهج مونق ذو لون جميل ، والمراد بالاهتزاز ، اهتزاز الأرض ، فإن الأرض تتحرك فعلا وانفعالا بالنبات ، ويحتمل أن يكون مجازا يراد به ، اهتزاز النبات بعلاقة الحال والمحل ، وإن كان هذا بعيدا من السياق.