قوله تعالى: ﴿فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا، وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا، مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا، وَدَانِيَةً عَلَيْهِمْ ظِلَالُهَا وَذُلِّلَتْ قُطُوفُهَا تَذْلِيلًا، وَيُطَافُ عَلَيْهِم بِآنِيَةٍ مِّن فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا، قَوَارِيرَ مِن فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا، وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا، عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا، وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيْتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَّنثُورًا، وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا﴾
القراءة:
قرأ الشعبي وعبيد بن عمير (قدروها) بضم القاف. الباقون بفتحها. من فتح القاف قال معناه قدروها في أنفسهم، فجاءت كما قدروا، ومن ضم أراد ان ذلك قدر لهم أي قدره الله لهم كذلك. قرأ نافع والكسائي وأبو بكر عن عاصم (قواريرا قواريرا) بالتنوين فيهما. وقرأ بغير تنوين ولا الف في الوقف حمزة وابن عامر، وقرأ الأولى بالتنوين والثانية بغير تنوين ابن كثير. وقرأ أبو عمرو فيهما بغير تنوين إلا أنه يقف عليه بالألف. من نون الأولى اتبع المصحف، ولأنه رأس آية، ثم كرهوا أن يخالفوا بينهما فنونوا الثانية، وكذلك قرأ الكسائي (ألا ان ثمودا كفروا ربهم ألا بعدا لثمود) ( 1 ) صرفهما لئلا يخالف بينهما مع قربهما، ومن لم يصرفهما فعلى موجب العربية، لأنه جمع على (فواعيل) بعد ألفه حرفان. ومن صرف الأولى فلأنها رأس آية ولم يصرف الثانية على أصل العربية. لما اخبر الله تعالى عن المؤمنين الذين وصفهم في الآيات الأولى وما أوفوا به من النذر في إطعامهم لوجه الله ما أطعموه وإيثارهم على نفوسهم المسكين واليتيم والأسير وإنهم فعلوا ذلك لوجه الله خالصا، ومخافة من عذاب يوم القيامة، اخبر بما أعد لهم من الجزاء على ذلك، فقال (فوقاهم الله شر ذلك اليوم) أي كفاهم الله ومنع عنهم أهوال يوم القيامة وشدائده، فالوقاء المنع من الأذى يقال: وقاه يقيه وقاء، فهو واق، ووقاه توقية قال رؤبة. إن الموقي مثل ما وقيت ( 2 ) ومنه اتقاه اتقاء وتوقاه توقيا، والشر ظهور الضر، وأصله الظهور من قولهم: وحتى أشرت بالأكف المصاحف ( 3 ) أي أظهرت، ومنه شررت الثوب إذا أظهرته للشمس أو الريح، ومنه شرار النار لظهوره بتطايره وانتشاره، وقيل: الشر الضر والقبيح، ويستعار في غيره، وليس ما يوجب هذا. والمراد - ههنا - أهوال يوم القيامة وشدائده فالوقاء المنع من الأذى يقال: وقاه يقيه وقاء فهو واق ووقاه توقية وقوله (ولقاهم نضرة وسرورا) مغنى لقاهم استقبلهم به، والنضرة حسن الألوان، ومنه نبت نضر وناضر ونضر والنضار الذهب. وقيل: ناضرة ناعمة. وقيل: حسنة الصورة. والسرور اعتقاد وصول المنافع إليه في المستقبل. وقال قوم: هو لذة في القلب بحسب متعلقه بما فيه النفع، سره يسره سرورا وكل سرور فلا بدله من متعلق، كالسرور بالمال والولد والسرور بالا كرام والا جلال، والسرور بالشكر والحمد، والسرور بالثواب. وقوله (وجزاهم بما صبروا) أي كافاهم وأثابهم على صبرهم على محن الدنيا وشدائدها وتحمل مشاق التكليف (جنة) أي بستانا أجنة الشجر (وحريرا) يلبسونه. وقوله (متكئين) نصب على الحال (فيها) يعني في الجنة (على الأرائك) وهي الحجال فيها الأسرة - في قول ابن عباس ومجاهد وقتادة - واحدها أريكة وهي الحجلة سرير عليه شبه القبة. وقال الزجاج: الأريكة كل ما يتكأ عليه من مسورة أو غيرها، وقد شوق الله تعالى إلى تلك الحال وهي غاية الرفاهية والامتاع (لا يرون فيها) يعني في الجنة (شمسا) يتأذون بحرها (ولا زمهريرا) يتأذون ببرده، فالزمهرير أشد ما يكون من البرد، وقال مجاهد: الزمهرير البرد الشديد وقوله (ودانية عليهم ظلالها) يعني افياء أشجار تلك الجنة قريبة منهم، ونصب (دانية) بالعطف على (متكئين) ويجوز أن يكون عطفا على موضع (لا يرون فيها شمسا) فان موضعها النصب على الحال، ويجوز على المدح كقولهم عند فلان جارية جميلة وشابة طرية. وقوله (وذللت قطوفها تذليلا) معناه إن قام ارتفعت بقدرة الله وإن قعد نزلت حتى ينالها وإن اضطجع نزلت حتى ينالها - ذكره مجاهد - وقيل: معناه لا يرد أيديهم عنها بعد ولا شوك. وقوله (ويطاف عليهم) يعني على هؤلاء المؤمنين الذين وصفهم الله (بآنية من فضة وأكواب) وهو جمع كوب وهو إناء الشراب من غير عروة. وقال مجاهد: الأكواب الاقداح. وقال ابن عباس ومجاهد: هي صغار القوارير وهي فضة، فلذلك قال (كانت قواريرا) وقيل: الأكواب الأباريق التي ليس لها خراطيم. وقيل: الأكواب من فضة في صفاء القوارير لا تمنع الرؤية. وقوله (قوارير من فضة) أي هي من فضة. وقوله (قدروها تقديرا) معناه إنها على قدر ما يشتهون من غير زيادة ولا نقصان حتى تستوفي الكمال، ويجوز ان يكونوا قدروها قبل مجيئها على صفة فجاءت على ما قدروا جنسه لشبه التمني، وقال الحسن: على قدرهم، والتقدير وضع المعنى على المقدار الذي يتخيل فيه المساواة للاعتبار بالمعاني العقلية بقدر عرف التقدير على طريقة لو كان كذا لكان كذا، وإذا كان كذا كان كذا، وبهذا يظهر القياس يميز به ما يلزم على الأصل مما لا يلزم، والطوف الدور بالنقل من واحد إلى واحد. وقد يكون الدور بالطبع من غير تنقل من واحد إلى آخر، فلا يكون طوافا، طاف يطوف طوفا، وأطاف بها إطافة وتطوف تطوفا وأطوف اطوافا وقوله (ويسقون فيها) يعني في الجنة (كأسا) وهي الآنية إذا كان فيها شراب (كان مزاجها زنجبيلا) فالزنجبيل ضرب من القرفة طيب الطعام يلذع اللسان يربى بالعسل يستدفع به المضار إذا مزج به الشراب فاق في الالذاذ. والعرب تستطيب الزنجبيل جدا قال الشاعر:
كأن القرنفل والزنجبيل * باتا بفيها واريا مشورا ( 4 )
قيل: إن هذا الشراب في برد الكافور وذكاء المسك ولذع الزنجبيل، كما قال في صفة القوارير إنها في صفاء الفضة وجوهرها يرى ما وراءها كالقوارير. وقيل: الكافور والزنجبيل من أسماء العين التي يسقون منها وقوله (عينا) نصب على أنه بدل من الزنجبيل (فيها تسمى سلسبيلا) فالسلسبيل الشراب السهل اللذيذ، وقيل: سلسبيل معناه منقاد ماؤها حيث شاؤوا - عن قتادة - وقيل شديد الحربة. وقيل: يتسلسله. وقيل: سمي سلسبيلا من لزوم الطيب والالذاذ بها، وانشد يونس:
صفراء من نبع يسمى سهمها * من طول ما صرع الصيود الصيب ( 5 )
فرفع الصيب على صفة السهم. وقيل: اسم العين معرفة إلا أنه نون لأنه رأس آية. ثم قال (ويطوف عليهم ولدان مخلدون) قال قتادة: لا يموتون. وقال الحسن: خلدوا على هيئة الوصفاء، فلا يشبون أبدا. وقيل: مخلدون مستورون بلغة حمير قال بعض شعرائهم:
ومخلدات باللجين كأنما * أعجازهن اقاوز الكثبان ( 6 )
وكأنه يرجع إلى بقاء الحسن (إذا رأيتهم) يعني إذا رأيت هؤلاء الولدان (حسبتهم لؤلؤا منثورا) أي من كثرتهم وحسنهم، فكأنهم اللؤلؤ المنثور - ذكره قتادة - وقوله (وإذا رأيت ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا) تقديره وإذا رأيت الأشياء ثم رأيت نعيما لأهل الجنة عظيما وملكا كبيرا. قال سفيان: من الملك الكبير استئذان الملائكة عليهم واستقبالهم لهم بالتحية. وقوله (وإذا رأيت ثم) ف? (ثم) يريد به الجنة. والعامل فيه معنى (رأيت) وتقديره وإذا رأيت ببصرك ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا. وقال الفراء: وإذا رأيت ماثم رأيت نعيما. وانكره الزجاج وقال (ما) موصولة يتم على تفسيره، ولا يجوز اسقاط الموصول مع بقاء الصلة، ولكن (رأيت) متعد في المعنى إلى (ثم).
1 - سورة 11 هود آية 68.
2 - اللسان (وقى).
3 - قائله كعب بن جعيل، مقاييس اللغة 3 / 181 وصده: فما برحوا حتى رأى الله صبرهم.
4 - قائله الأعشى ديوانه 85 واللسان (شور) وفيه اختلاف في الرواية..
5 - تفسير الطبري 29 / 118.
6 - مقاييس اللغة 2 / 208 واللسان (خلد، قوز).