۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة الصف، آية ٥

التفسير يعرض الآيات ١ إلى ٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۖ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ١ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفۡعَلُونَ ٢ كَبُرَ مَقۡتًا عِندَ ٱللَّهِ أَن تَقُولُواْ مَا لَا تَفۡعَلُونَ ٣ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلَّذِينَ يُقَٰتِلُونَ فِي سَبِيلِهِۦ صَفّٗا كَأَنَّهُم بُنۡيَٰنٞ مَّرۡصُوصٞ ٤ وَإِذۡ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ يَٰقَوۡمِ لِمَ تُؤۡذُونَنِي وَقَد تَّعۡلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُمۡۖ فَلَمَّا زَاغُوٓاْ أَزَاغَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡۚ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ٥

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

مدينة بلا خلاف، وهي أربع عشرة آية بلا خلاف.

بسم الله الرحمن الرحيم

قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ، كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُم بُنيَانٌ مَّرْصُوصٌ، وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَد تَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾

قد مضى تفسير " سبح لله ما في السماوات وما في الأرض وهو العزيز الحكيم " في أول الحشر، وقد مضى تفسيره في أول الحديد، وإنما أعيد - ههنا - لأنه استفتاح السورة بتعظيم الله من جهة ما سبح له بالآية التي فيه، كما يستفتح ببسم الله الرحمن الرحيم، وإذا جل المعنى في تعظيم الله حسن الاستفتاح به، لان المقصد به حسب دلالته والفائدة في تعظيم ما ينبغي أن يستفتي به على جهة التعظيم لله، والتيمن بذكره. وقوله " يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون " قال الحسن: نزلت في المنافقين، يقول الله لهم " لم تقولون " بألسنتكم مالا تفعلونه، فسماهم بالايمان على الظاهر. وقيل: نزلت في قوم كانوا يقولون إذا لقينا العدو لم نفر، ولم نرجع عنهم ثم لم يفوا بما قالوا، وقال قتادة: نزلت في قوم: قالوا: جاهدنا وأبلينا ولم يفعلوا. وقال ابن عباس ومجاهد: نزلت في قوم قالوا: لو علمنا أحب الاعمال إلى الله لسارعنا إليها، فلما نزل فرض الجهاد تثاقلوا عنه، فبين الله ذلك. وقال قوم: هو جار مجرى قوله " يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود " ( 1 ) فان القول الذي يجب الوفاء به هو القول الذي يعتقد بفعل البر على طريق الوعد من غير طلب. وقوله " كبر مقتا عند الله أن تقولوا مالا تفعلون " إنما اطلق ذلك مع أنه ليس كل قول يجب الوفاء به. لأنه معلوم انه لا عيب بترك الوفاء فيما ليس بواجب الوفاء به، وإن الذم إنما يستحق بترك ما هو واجب أو ما أوجبه الانسان على نفسه بالنذر والعهد. والمقت البغض وهو ضد الحب، وهو على ضربين:

أحدهما: يصرف عنه العقل.

الآخر: يصرف عنه الطبع إلا أنه جرى على صيغة واحدة للبيان أن صارف العقل في التأكيد كصارف الطبع، كما أنه في الحب على داعي العقل أو داعي الطبع، وحذف الألف من " لم تقولون " لشدة الاتصال، ووضع حرف الاعتلال، لأنه حرف تغيير في موضع تغيير. وقوله " مقتا " نصب على التمييز، وتقديره: كبر هذا القول أي عظم مقتا عند الله، وهو أن تقولوا مالا تفعلون. ويحتمل أن يكون تقديره كبر ان تقولوا مالا تفعلون مقتا عند الله. قوله " إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفا " معناه إنه تعالى يحب من يقاتل في سبيله ويجاهد أعداء دينه ويزيد ثوابهم ومنافعهم. وقوله " صفا " أي يقاتلونهم مصطفين، وهو مصدر في موضع الحال. وقوله " كأنهم بنيان مرصوص " قيل في معناه قولان:

أحدهما: كأنه بني بالرصاص لتلاؤمه ولشدة اتصاله

الثاني: كأنه حائط ممدود على رص البناء أي احكامه واتصاله واستقامته والمرصوص المتلائم الذي لا خلل فيه ومثل مرصوص شديد اللصوق في الاتصال والثبوت ثم قال للنبي صلى الله عليه وآله وأذكر " إذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول الله إليكم، لأنه مع العلم بنبوته لا يجوز إيذاءه، وكانوا يؤذونه، فيقولون: هذا ساحر كذاب، ويرمونه بالبرص وغير ذلك. وقوله " فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم " فالزيغ الذهاب عن الشئ باسراع فيه والأظهر فيه الذهاب عن الحق، والمعنى إنهم لما ذهبوا عن طريق الحق، ومالوا إلى طريق الباطل " أزاغ الله قلوبهم " بمعنى انه حكم عليها بالزيغ والميل عن الحق، ولذلك قال " والله لا يهدى القوم الفاسقين " ومعناه لا يحكم لهم بالهداية. وقيل: معناه فلما زاغوا عن الايمان أزاغ الله قلوبهم عن الثواب، ولا يجوز أن يكون المراد أزاغ الله قلوبهم عن الايمان لان الله لا يزيغ أحدا ولا يضله عن الايمان، وأيضا فإنه لا فائدة في الكلام على ما قالوه، لأنهم إذا زاغوا عن الايمان فقد حصلوا كفارا، فلا معنى لقوله أزاغ الله

1 - سورة 5 المائدة آية 1.