۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة يس، آية ٤٨

التفسير يعرض الآيات ٤٦ إلى ٥٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَمَا تَأۡتِيهِم مِّنۡ ءَايَةٖ مِّنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِمۡ إِلَّا كَانُواْ عَنۡهَا مُعۡرِضِينَ ٤٦ وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ أَنفِقُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ قَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَنُطۡعِمُ مَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ أَطۡعَمَهُۥٓ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٧ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨ مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ تَأۡخُذُهُمۡ وَهُمۡ يَخِصِّمُونَ ٤٩ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ تَوۡصِيَةٗ وَلَآ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِمۡ يَرۡجِعُونَ ٥٠

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِم مِّنْ آيَةٍ مِّنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلاَّ كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَن لَّوْ يَشَاء اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ، وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، مَا يَنظُرُونَ إِلاَّ صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ، فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَلَا إلى أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ﴾

القراءة:

قرأ ابن كثير وأبو عمرو " يخصمون " بفتح الخاء وتشديد الصاد إلا أن أبا عمرو يختلس حركة الخاء. وقرأ نافع - بفتح الياء وتسكين الخاء مشدد الصاد - يجمع بين ساكنين. وقرأ ابن عامر وعاصم والكسائي - بفتح الياء وكسر الخاء وتشديد الصاد - وقرأ حمزة - بفتح الياء وتسكين الخاء وتخفيف الصاد - فمعنى هذه القراءة: وهم يخصمون عند أنفسهم في دفع النشأة الثانية والقراءتان الأوليتان بمعنى يختصمون، فأدغمت الياء في الصاد بعد أن أسكنت. فمن أسكن الخاء، فلأنها في الأصل ساكنة، ومن فتحها نقل حركة الياء إليها. ومن كسر الخاء اتبع كسرتها كسرة الصاد. وفي القراء من كسر الياء اتباعا لكسرة الخاء، كما قالوا يهدي، وهو يجئ عن أبي بكر. يقول: الله تعالى مخبرا عن عناد هؤلاء الكفار وشدة جهلهم بأنه ﴿ ما تأتيهم من آية ﴾ أي دلالة وحجة من حجج الله و (من) تزاد في النفي إذا أريد بها الاستغراق، كقولهم: ما جاءني من أحد ومعناه ما جاءني أحد. و (من) الثانية للتبعيض، لأنه ليس كل آيات الله جاءتهم، غير أنه تعالى قال ليس تأتيهم من آية أي أي آية كانت ﴿ من آيات ربهم إلا كانوا ﴾ هؤلاء الكفار ﴿ عنها معرضين ﴾ أي ذاهبين عنها وتاركين لها ومعرضين عن النظر فيها، وكل من اعرض عن الداعي إلى كتاب الله وآياته التي نصبها لعباده ليعرفوه بها فقد ضل عن الهدى وخسر الدنيا والآخرة. ثم اخبر تعالى انه إذا قيل لهم: أيضا ﴿ انفقوا مما رزقكم الله ﴾ في طاعته واخرجوا ما أوجب الله عليكم في أموالكم - من الزكوات وغيرها وضعوها في مواضعها ﴿ قال الذين كفروا ﴾ بوحدانية الله وجحدوا ربوبيته وكذبوا بنبوة نبيه ﴿ أنطعم من لو يشاء الله أطعمه ﴾ احتجاجا منهم في منع الحقوق، بأن يقولوا كيف نطعم من الله قادر على إطعامه ؟! ولو شاء إطعامه أطعمه، فإذا لم يطعمه دل على أنه لم يشأ إطعامه فنحن إذا أحق بذلك. وذهب عليهم أن الله تعبدهم بذلك، لما فيه من المصلحة واللطف في فعل الواجبات وترك المقبحات، فلذلك كلفهم إطعام غيرهم. و (الرزق) هو ما خلق الله لخلقه لينتفعوا به على وجه لا يكون لاحد منعه منه فعلى هذا الوجه لا يكون الحرام رزقا، فان الله تعالى قد منع منه بالنهي وقد سمي رزقا ما يصلح للانتفاع به مجازا، فعلى هذا ليس كل ما رزقه الله العبد جعل له الانفاق منه والتصرف فيه، وعلى الأول - وهو الأصح - جعل له ذلك. ثم قال لنبيه صلى الله عليه وآله قل لهم يا محمد ﴿ إن أنتم إلا في ضلال مبين ﴾ أي ليس لكم هداية وما أنتم إلا في ذهاب عن الحق وعدول عنه بين، فعلى هذا قول من قال: هو من قول الله تعالى صحيح. وقال قوم: هو من قول المشركين كأنهم لما قالوا: أنطعم من لو يشاء الله أطعمه؟قالوا لرسله ليس أنتم إلا في ضلال مبين في ما تدعونا إليه. ثم اخبر تعالى عن الكفار انهم ﴿ يقولون متى هذا الوعد ﴾ الذي تعدنا به من نزول العذاب بنا استهزاء بخبره صلى الله عليه وآله وخبر المؤمنين وتجريا على الله ﴿ إن كنتم صادقين ﴾ في ما تدعونا إليه وتخوفونا منه. فقال الله تعالى في جوابهم ﴿ ما ينظرون ﴾ أي لا ينتظرون ﴿ إلا صيحة واحدة تأخذهم وهم يخصمون ﴾ في هل ينزل العذاب بهم أم لا؟وإنما جعلهم منتظرين لما قالوا: متى هذا الوعد، لان من يلتمس الوعد يكون متنظرا لما وعد به ﴿ تأخذهم ﴾ في حال خصامهم ﴿ فلا يستطيعون توصية ﴾ أي لا يقدر بعضهم على أن يوصي إلى بعض ﴿ ولا إلى أهلهم يرجعون ﴾ أي لا يردون إلى أهلهم فيوصون إليهم. والصيحة التي تأخذهم هي الصيحة الأولى في الدنيا عند قيام الساعة ﴿ تأتيهم بغتة ﴾ والرجل يسقي أبله وآخر يبيع سلعته على عادتهم في تصرفاتهم، فإذا اخذتهم ونزلت بهم لم يستطيعوا توصية ولم يرجعوا إلى أهلهم للمعاجلة، وروي عن النبي صلى الله عليه وآله أنه قال (هي ثلاث نفخات: نفخة الفزع، ونفخة الصعق، ونفخة القيام لرب العالمين).