۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة السجدة، آية ٩

التفسير يعرض الآيات ٦ إلى ١٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

ذَٰلِكَ عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡعَزِيزُ ٱلرَّحِيمُ ٦ ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ كُلَّ شَيۡءٍ خَلَقَهُۥۖ وَبَدَأَ خَلۡقَ ٱلۡإِنسَٰنِ مِن طِينٖ ٧ ثُمَّ جَعَلَ نَسۡلَهُۥ مِن سُلَٰلَةٖ مِّن مَّآءٖ مَّهِينٖ ٨ ثُمَّ سَوَّىٰهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِۦۖ وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَۚ قَلِيلٗا مَّا تَشۡكُرُونَ ٩ وَقَالُوٓاْ أَءِذَا ضَلَلۡنَا فِي ٱلۡأَرۡضِ أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدِۭۚ بَلۡ هُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ كَٰفِرُونَ ١٠

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ، الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ، ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَّا تَشْكُرُونَ، وَقَالُوا أَئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُم بِلِقَاء رَبِّهِمْ كَافِرُونَ﴾

خمس آيات عراقي لم يعدوا " جديد " آية. وست في ما عداه، لأنهم عدوا " جديد " آية. قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر " أحسن كل شئ خلقه " باسكان اللام. الباقون بفتحها. من سكن اللام فعلى تقدير: الذي أحسن خلق كل شئ اي جعلهم يحسنونه والمعنى انه ألهمهم جميع ما يحتاجون إليه. قال الزجاج: ويجوز أن يكون على البدل، والمعنى: أحسن كل شئ. ويجوز أن يكون على المصدر وتقديره الذي خلق كل شئ خلقه. ومن فتح اللام جعله فعلا ماضيا، ومعناه أحسن الله كل شئ خلقه على إرادته ومشيئته، وأحسن الانسان وخلقه في أحسن صورة. وقيل: معناه إن وجه الحكمة قائم في جميع أفعاله، ووجوه القبح منتفية منها، ووجه الدلالة قائم فيها على صانعها، وكونه عالما. والضمير في قوله " خلقه " كناية عن اسم الله. لما اخبر الله تعالى انه الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام واستولى على العرش، وانه الذي يدبر الأمور ما بين السماوات والأرض بين - ههنا - ان الذي يفعل ذلك ويقدر عليه هو " عالم الغيب والشهادة " أي يعلم السر والعلانية " العزيز " في انتقامه من أعدائه " الرحيم " بعباده، المنعم عليهم، و (الغيب) خفاء الشئ عن الادراك. والشهادة ظهوره للادراك فكأنه قال: يعلم ما يصح أن يشاهد، وما لا يصح أن يشاهد فيدخل في ذلك المعدوم والحياة والموت والقدرة وجميع ما لا يصح عليه الرؤية. والعزيز: هو القادر على منع غيره ولا يقدر الغير على منعه، وأصله المنع من قولهم: من عزبز، من غلب سلب، لان من غلب أسيره فمنعه أخذ سلبه. ثم قال الذي أحسن كل شئ خلقه، ومعنى ذلك في جميع ما خلقه الله تعالى وأوجده فيه وجه من وجوه الحكمة، وليس فيه وجه من وجوه القبح. وذلك يدل على أن الكفر والضلال وسائر القبائح ليست من خلقه. ولفظة (كل) وإن كانت شاملة للأشياء كلها، فالمراد به الخصوص - ههنا - لأنه أراد ما خلقه الله تعالى من مقدوراته دون مقدور غيره، ونصب قوله " خلقه " بالبدل من قوله " كل شئ " كما قال الشاعر:

وظعني إليك الليل حضنيه انني * لتلك إذا هاب الهداي فعول ( 1 )

وتقديره وظعني حضني الليل إليك. وقال الآخر:

كأن هندا ثناياها وبهجتها * يوم التقينا على ادحال دباب ( 2 )

والمعنى كأن ثنايا هند وبهجة هند. وقوله " وبدأ خلق الانسان من طين " أي ابتدأ خلق الانسان من طين، يريد انه خلق آدم الذي هو أول الخلق من طين، لان الله تعالى خلق آدم من تراب، فقلبه طينا، ثم قلب الطين حيوانا، وكذلك قال " إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون " ( 3 ) وقال - ههنا - و " وبدأ خلق الانسان من طين " وكل ذلك لما في التصريفين دليل وقوله " ثم جعل نسله من سلالة " يعني نسل الانسان الذي هو آدم وولده من سلالة، وهي الصفوة التي تنسل من غيرها خارجة، قال الشاعر:

فجاءت به عضب الأديم غضنفرا * سلالة فرج كان غير حصين ( 4 )

" من ماء مهين " قال قتادة: المهين الضعيف. وهو (فعيل) من المهنة. وقوله " ثم سواه " أي عدله ورتب جوارحه " ونفخ فيه " يعني في ذلك المخلوق ﴿ من روحه ﴾ فأضافه إلى نفسه إضافة اختصاص وإضافة ملك على وجه التشريف. ثم قال " وجعل لكم " معاشر الخلق " السمع " لتسمعوا به الأصوات " والابصار " لتبصروا بها المرئيات " والأفئدة " أي وخلق لكم القلوب لتعقلوا بها ﴿ قليلا ما تشكرون ﴾ أي تشكرون نعم الله قليلا من كثير و (ما) زائدة، ويجوز أن تكون مصدرية، والتقدير قليلا شكركم، لان نعم الله لا تحصى. ثم حكى عن الكفار فقال ﴿ وقالوا أئذا ضللنا في الأرض ﴾ وفيه لغتان فتح اللام وكسرها، وكل شئ غلب عليه غيره حتى يغيب فيه، فقد ضل فيه، قال الأخطل:

كنت القذي في موج اكدر مزبد * قذف الآتي به فضل ضلالا ( 5 )

وقال مجاهد وقتادة: معنى ﴿ ضللنا ﴾ هلكنا. وقال أبو عبيدة: همدنا فلم يوجد لهم دم ولا لحم ﴿ أئنا لفي خلق جديد ﴾ حكاية عن تعجبهم وقولهم كيف نخلق خلقا جديدا، وقد هلكنا وتمزقت أجسامنا. ثم قال ﴿ بل ﴾ هؤلاء الكفار ﴿ بلقاء ربهم ﴾ بالعذاب والعقاب ﴿ كافرون ﴾ أي جاحدون، فلذلك قالوا: أإذا ضللنا في الأرض أئنا لفي خلق جديد، جعل ﴿ إذا ﴾ منصوبة ب? (ضللنا) وتكون في معنى الشرط، ولا توصل إلا بذكر الفاء بعدها، لان ﴿ إذا ﴾ قد وليها الفعل الماضي ولا يجوز أن تنصب (إذا) بما بعدها إذ لا خلاف بين النحويين فيه. وقرأ الحسن ﴿ صللنا ﴾ بالصاد غير منقوطة. ومعناه أحد شيئين:

أحدهما: انتنا وتغيرنا وتغيرت صورنا، يقال صل اللحم، وأصل إذا أنتن.

والثاني: صللنا صرنا من جنس الصلة وهي الأرض اليابسة.

1 - مجاز القرآن 2 / 130.

2 - مجاز القرآن 2 / 130.

3 - سورة 3 آل عمران آية 59.

4 - مر تخريجه في 7 / 353.

5 - مر في 1 / 404.