۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة الشعراء، آية ٥٣

التفسير يعرض الآيات ٥١ إلى ٦٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِنَّا نَطۡمَعُ أَن يَغۡفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَٰيَٰنَآ أَن كُنَّآ أَوَّلَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٥١ ۞ وَأَوۡحَيۡنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰٓ أَنۡ أَسۡرِ بِعِبَادِيٓ إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ ٥٢ فَأَرۡسَلَ فِرۡعَوۡنُ فِي ٱلۡمَدَآئِنِ حَٰشِرِينَ ٥٣ إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ لَشِرۡذِمَةٞ قَلِيلُونَ ٥٤ وَإِنَّهُمۡ لَنَا لَغَآئِظُونَ ٥٥ وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَٰذِرُونَ ٥٦ فَأَخۡرَجۡنَٰهُم مِّن جَنَّٰتٖ وَعُيُونٖ ٥٧ وَكُنُوزٖ وَمَقَامٖ كَرِيمٖ ٥٨ كَذَٰلِكَۖ وَأَوۡرَثۡنَٰهَا بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٥٩ فَأَتۡبَعُوهُم مُّشۡرِقِينَ ٦٠

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَطْمَعُ أَن يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَن كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ، وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ، فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ، فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾

القراءة:

قرأ أهل الكوفة وابن عامر إلا الحلواني " حاذورن " بألف، الباقون بغير ألف. من قرأ بالألف قال: هو مثل شرب، فهو شارب، وحذر فهو حاذر. وقيل: رجل حاذر فيما يستقبل، وليس حاذرا في الوقت، فإذا كان الحذر له لازما قيل رجل حذر مثل سؤل وسائل، وطمع وطامع، وكان يجوز ضم الذال لأنهم يقولون: حذر وحذر - بكسر الذال وضمها - مثل يقظ ويقظ وفطن وفطن. وقرأ عبد الله بن السائب " حادرون " بالدال - المهملة - بمعنى نحن أقوياء غلاظ الأجسام، يقولون: رجل حادر أي سمين، وعين حدرة بدرة إذا كانت واسعة عظيمة المقلة، قال امرؤ القيس:

وعين لها حدرة بدرة * شقت مآقيهما من أخر ( 1 )

وقيل الفرق بين الحاذر والحذر أن الحاذر الفاعل للحذر، أن يناله مكروه والحذر. المطبوع على الحذر وقيل: " حاذرون " مؤدون في السلاح أي ذووا أداة من السلاح المستعدون للحروب من عدو، والحذر اجتناب الشئ خوفا منه، حذر حذرا، فهو حاذر وحذره تحذيرا، وتحذر تحذرا وحاذره محاذرة وحذارا. اخبر الله تعالى عن السحرة انهم حين آمنوا وقالوا لفرعون: لا ضرر علينا بما تفعل بنا، لأنا منقلبنا إلى الله وثوابه، قالوا " إنا نطمع أن يغفر لنا ربنا خطايانا " أي ما فعلنا من السحر وغيره، لأنا كنا أول من صدق بموسى وأقر بنبوته، وبما دعا إليه من توحيد الله ونفي التشبيه عنه ممن كان يعمل بالسحر. وقيل: انهم أول من آمن عند تلك الآية. ومن قال: هم أول من آمن من قومه فقد غلط، لان بني إسرائيل كانوا آمنوا به. ولو كسرت الهمزة من (إن) على الشرط كان جائزا. والطمع طلب النفس للخير الذي يقدر فيها أنه يكون. ومثله الامل والرجاء والخطايا جمع خطيئة، وهي الزوال عن الاستقامة المؤدية إلى الثواب. ثم حكى تعالى انه أوحى إلى موسى، وأمره بأن يسري بعباد الله الذين آمنوا به، ويخرجوا من بلد فرعون، وهم بنوا إسرائيل المقرون بنبوته. يقال سرى وأسرى لغتان، فمن قطع الهمزة قال: هو من اسرى يسري، ومن وصلها فمن سرى يسري. واعلمهم أن فرعون وجنوده يتبعونهم، ويخرجون في طلبهم وتبع واتبع لغتان. ثم حكى أيضا ان فرعون ارسل برسله في المدائن حاشرين يحشرون الناس إليه الذين هم جنوده، وقيل: انه حشر جنده من المدائن التي حوله ليقبضوا على موسى وقومه، لما ساروا بأمر الله (عز وجل) فلما حضروا عنده، قال لهم " إن هؤلاء " يعني أصحاب موسى " لشرذمة قليلون " والشرذمة العصبة الباقية من عصب كثيرة، وشر ذمة كل شئ بقيته القليلة، ومنه قول الراجز:

جاء الشتاء وقميصي اخلاق * شراذم يضحك منه التواق ( 2 )

وقال عبد الله بن مسعود: الشرذمة الذين قللهم فرعون من بني إسرائيل كانوا ستمائة ألف وسبعين ألفا، وإنما استقلهم، لأنه كان على مقدمته سبعة آلاف الف على ما قال بعض المفسرين. ثم قال " وانهم " مع قلتهم " لنا لغائظون " أي يغيظوننا بمخالفتهم إيانا، ويقال: جمع قليل وقليلون، كما يقال حي واحد، وواحدون. ثم اخبر تعالى عن فرعون أنه قال لجنده " انا لجميع حذرون " منهم قد استعددنا لقتالهم. ثم اخبر تعالى عن كيفية إهلاكهم بأن قال " فأخرجناهم " يعني فرعون وقومه " من جنات " وهي البساتين التي تجنها الأشجار " وعيون " جارية فيها " وكنوز " يعني أموال لهم مخبئة بعضها على بعض في مواضع غامضة من الأرض ومنه كناز التمر وغيره مما يعبأ بعضه على بعض " ومقام كريم " فالمقام الموضع الذي يقيمون فيه. ويجوز أن يكون مصدرا و " الكريم " هو الحقيق باعطاء الخير الجزيل، لأنه أهل للكرم، وهي صفة تعظيم في المدح: كرم كرما واكرمه إكراما، وتكرم تكرما. وقيل: المقام الكريم المنابر. وقيل مجالس الامراء والرؤساء: التي كان يحف بها الاتباع. ثم قال تعالى " كذلك " أي مثل ذلك أي كما وصفنا لك اخبارهم " وأورثناها بني إسرائيل " أي نعم آل فرعون بأن أهلكنا آل فرعون وملكنا ديارهم وأملاكهم لنبي إسرائيل. والإرث تركة الماضي ممن هلك لمن بقي. وقيل صار ذلك في أيدي بني إسرائيل في أيام داود وغيره. وقال الحسن: رجع بنو إسرائيل إلى مصر بعد اهلاك فرعون وقومه. وقوله " فاتبعوهم مشرقين " معناه تبعوا أثرهم وقت اشراق الشمس وظهور ضوئها وصفائه. وقيل معناه مصبحين، ويقال: اتبع فلان فلانا وتبعه إذا اقتفى اثره - لغتان -.

1 - ديوانه 99 وتفسير القرطبي 13 / 104.

2 - مر تخريجه في 6 / 328.