۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة الأنبياء، آية ٦٢

التفسير يعرض الآيات ٦١ إلى ٦٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

قَالُواْ فَأۡتُواْ بِهِۦ عَلَىٰٓ أَعۡيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡهَدُونَ ٦١ قَالُوٓاْ ءَأَنتَ فَعَلۡتَ هَٰذَا بِـَٔالِهَتِنَا يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ ٦٢ قَالَ بَلۡ فَعَلَهُۥ كَبِيرُهُمۡ هَٰذَا فَسۡـَٔلُوهُمۡ إِن كَانُواْ يَنطِقُونَ ٦٣ فَرَجَعُوٓاْ إِلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ فَقَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ أَنتُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٦٤ ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمۡ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا هَٰٓؤُلَآءِ يَنطِقُونَ ٦٥

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

قوله تعالى: ﴿قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ، قَالُوا أَأَنتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَا إِبْرَاهِيمُ، قَالَ بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُوا يَنطِقُونَ، فَرَجَعُوا إلى أَنفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنتُمُ الظَّالِمُونَ، ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُؤُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاء يَنطِقُونَ﴾

لما قال بعضهم انه سمع إبراهيم يعيب آلهتهم وحكاه لقومه قالوا: جيئوا " به على أعين الناس لعلهم يشهدون " وقيل في معناه قولان:

أحدهما: قال الحسن وقتادة والسدي: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة، فقالوا جيئوا به بحيث يراه الناس، ويكون بمرءا منهم " لعلهم يشهدون " بما قاله إني أكيد أصنامهم شهادة تكون حجة عليه.

الثاني: قال ابن إسحاق " لعلهم يشهدون " عقابه. وقيل " لعلهم يشهدون " حجته وما يقال له من الجواب، فلما جاؤوا به قالوا له (أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم) مقررين له على ذلك، فأجابهم إبراهيم بأن قال (بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون) وإنما جاز أن يقول (بل فعله كبيرهم هذا) وما فعل شيئا لاحد أمرين:

أحدهما: انه قيده بقوله (إن كان ينطقون) فقد فعله كبيرهم. وقوله (فاسألوهم) اعتراض بين الكلامين، كما يقول القائل: عليه الدارهم فاسأله إن أقر.

الثاني: انه خرج الخبر وليس بخبر، وإنما هو إلزام دل على تلك الحال، كأنه قال بل ما تنكرون فعله كبيرهم هذا. فالالزام تارة يأتي بلفظ السؤال وتارة بلفظ الامر، كقوله (فأتوا بسورة مثله) وتارة بلفظ الخبر. والمعنى فيه أنه من اعتقد كذا لزمه كذا وقد قرئ في الشواذ (فعله كبيرهم) - بتشديد اللام - بمعنى فلعل كبيرهم، فعلى هذا لا يكون خبرا، فلا يلزم أن يكون كذبا، والكذب قبيح لكونه كذبا، فلا يحسن على وجه، سواء كان فيه نفع أو دفع ضرر، وعلى كل حال، فلا يجوز على الأنبياء القبائح، ولا يجوز أيضا عليهم التعمية في الاخبار، ولا التقية في اخبارهم، لأنه يؤدي إلى التشكيك في اخبارهم، فلا يجوز ذلك عليهم على وجه. فأما ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله بأن قال (لم يكذب إبراهيم إلا ثلاث كذبات كلها في الله) فإنه خبر لا أصل له، ولو حسن الكذب على وجه، كما يتوهم بعض الجهال، لجاز من القديم تعالى ذلك. وزعموا أن الثلاث كذبات هي قوله " فعله كبيرهم هذا " وما كان فعله. وقوله " اني سقيم " ( 1 ) ولم يكن كذلك. وقوله في سارة لما أراد الجبار أخذها: إنها أختي، وكانت زوجته. حتى قال بعضهم: كان الله أذن له في ذلك. وهذا باطل، لأنه لو اذن الله له فيه، لكان الكذب حسنا. وقد بينا أنه قبيح على كل حال. وقيل: معنى قوله " اني سقيم " اي سأسقم، لأنه لما نظر إلى بعض الكواكب علم أنه وقت نوبة حمى كانت تجيئه، فقال: إني سقيم. وقيل معناه: اني سقيم، اي غما بضلالكم. وقيل: معناه سقيم عندكم، فيما أدعوكم إليه من الدين. وقيل: ان من كانت عاقبته الموت جاز ان يقال فيه سقيم، مثل المريض المشفي على الموت. وأما قوله في سارة إنها أختي فإنه أراد في الدين. واما قول يوسف لاخوته " انكم لسارقون " ( 2 ) فقد قال قوم: هو من قول مؤذن يوسف على ظنه فيما يقتضيه الحال من الظن الذي يعمل عليه. وقيل معناه: (إنكم لسارقون) يوسف (ع) وقوله تعالى (فرجعوا إلى أنفسهم) اي عادوا إلى نفوسهم يعني بعضهم إلى بعض وقال بعضهم لبعض: (انكم أنتم الظالمون) في سؤاله، لأنها لو كانت آلهة لم يصل إبراهيم إلى كسرها. وقوله (ثم نكسوا على رؤسهم لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) فالنكس هو جعل الشئ أسفله أعلاه، ومنه النكس في العلة إذا رجع إلى أول حاله. والمعنى أدركتهم حيرة سوء، فنكسوا لأجلها رؤسهم. ثم أقروا بما هو حجة عليهم، فقالوا لإبراهيم (لقد علمت ما هؤلاء ينطقون) فأقروا بهذا للحيرة التي لحقتهم، فكان ذلك دلالة على خطئهم، لكنهم أصروا على العناد.

1 - سورة 12 يوسف آية 70.

2 - سورة 2 البقرة آية 65.