۞ التبيان في تفسير القرآن

سورة الأنبياء، آية ٤٤

التفسير يعرض الآيات ٤١ إلى ٤٥

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَحَاقَ بِٱلَّذِينَ سَخِرُواْ مِنۡهُم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٤١ قُلۡ مَن يَكۡلَؤُكُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ مِنَ ٱلرَّحۡمَٰنِۚ بَلۡ هُمۡ عَن ذِكۡرِ رَبِّهِم مُّعۡرِضُونَ ٤٢ أَمۡ لَهُمۡ ءَالِهَةٞ تَمۡنَعُهُم مِّن دُونِنَاۚ لَا يَسۡتَطِيعُونَ نَصۡرَ أَنفُسِهِمۡ وَلَا هُم مِّنَّا يُصۡحَبُونَ ٤٣ بَلۡ مَتَّعۡنَا هَٰٓؤُلَآءِ وَءَابَآءَهُمۡ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡعُمُرُۗ أَفَلَا يَرَوۡنَ أَنَّا نَأۡتِي ٱلۡأَرۡضَ نَنقُصُهَا مِنۡ أَطۡرَافِهَآۚ أَفَهُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٤٤ قُلۡ إِنَّمَآ أُنذِرُكُم بِٱلۡوَحۡيِۚ وَلَا يَسۡمَعُ ٱلصُّمُّ ٱلدُّعَآءَ إِذَا مَا يُنذَرُونَ ٤٥

۞ التفسير

التبيان في تفسير القرآن

قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِّن قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُم مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُون، قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ، أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُم مِّن دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنفُسِهِمْ وَلَا هُم مِّنَّا يُصْحَبُونَ، بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاء وَآبَاءهُمْ حَتَّى طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ، قُلْ إِنَّمَا أُنذِرُكُم بِالْوَحْيِ وَلَا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعَاء إِذَا مَا يُنذَرُونَ﴾

القراءة:

قرأ ابن عامر " ولا تسمع " بالتاء وضمها وكسر الميم " الصم " بالنصب. الباقون - بالياء - مفتوحة، وبفتح الميم، وضم " الصم ". فوجه قراءة ابن عامر، أنه وجه الخطاب إلى النبي صلى الله عليه وآله فكأنه قال " ولا تسمع " أنت يا محمد " الصم " كما قال " وما أنت بمسمع من في القبور " ( 1 ) لان الله تعالى، لما خاطبهم، فلم يلتفتوا إلى ما دعاهم إليه، صاروا بمنزلة الميت الذي لا يسمع ولا يعقل. ووجه قراءة الباقين أنهم جعلوا الفعل لهم، ويقويه قوله (إذا ما ينذرون) قال أبو علي: ولو كان على قراءة ابن عامر، لقال: إذا ينذرون. و (الصم) وزنه (فعل) جمع أصم. وأصله (أصمم) فادغموا الميم في الميم وتصغير (أصم) (أصيمم). و (الصمم) ثقل في الأرض، فإذا كان لا يسمع شيئا قيل أصلج. وقال ابن زيد: (أصم) أصلج بالجيم. والوقر المثقل في الاذن. لما قال الله تعالى لنبيه محمد: إن الكفار إذا ما رأوك اتخذوك هزوا وسخرية علم أن ذلك يغمه فسلاه عن ذلك بأن اقسم بأن الكفار فيما سلف استهزؤا بالرسل الذين بعث الله فيهم. وسخروا منه (فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزؤن) أي حل بهم عقوبة ما كانوا يسخرون منهم، وحاق معناه حل، حاق يحق حيقا. ومنه قوله " ولا يحيق المكر السئ إلا بأهله " ( 2 ) أي يحل وبال القبيح بأهله الذين يفعلونه، فكان كما أرادوه بالداعي لهم إلى الله بهم. والفرق بين الهزء والسخرية، أن في السخرية معنى الذلة، لان التسخير التذليل والهزء يقتضي طلب صغر القدر مما يظهر في القول. ثم أمر نبيه صلى الله عليه وآله بأن يقول لهؤلاء الكفار " من يكلؤكم بالليل والنهار " أي من يحفظكم من بأس الرحمن وعذابه. وقيل: من عوارض الآفات، يقال: كلاه يكلؤه، فهو كالئ قال ابن هرمة:

إن سليمى والله يكلؤها * ضنت بشئ ما كان يرزؤها ( 3 )

ومعنى (يكلؤكم... من الرحمن) اي من يحفظكم من أن يحل بكم عذابه وقوله (بل هم عن ذكر ربهم معرضون) معناه كأنه قال: ما يلتفتون إلى شئ من الحجج والمواعظ، بل هم عن ذكر ربهم معرضون. وقيل: من يحفظكم مما يريد الله إحلاله بكم من عقوبات الدنيا والآخرة. ثم قال على وجه التوبيخ لهم والتقريع (أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا) أي من عذابنا وعقوباتنا. ثم أخبر أنهم (لا يستطيعون نصر أنفسهم). وقيل: ان المعنى إن آلهتهم لا يقدرون على نصر أنفسهم، فكيف يقدرون على نصر غيرهم ؟! وقيل إن الكفار (لا يستطيعون نصر أنفسهم) وهو الأشبه اي لا يقدرون على دفع ما ينزل بهم عن نفوسهم " ولا هم منا يصحبون " معناه لا يصحبهم صاحب يمنعهم منا. وقيل ولا هم منا يصحبون بأن يجيرهم مجير علينا. وقال ابن عباس: معناه ولا الكفار منا يجارون، كما يقولون: ان لك من فلان صاحبا، أي من يجيرك ويمنعك. وقال قتادة: معناه (ولا هم منا يصحبون) بخير ثم قال تعالى (بل متعنا هؤلاء وآباءهم) فلم نعاجلهم بالعقوبة حتى طالت أعمارهم. ثم قال موبخا لهم (أفلا يرون) اي ألا يعلمون (انا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها) قيل: بخرابها. وقيل: بموت أهلها. وقيل: بموت العلماء. وقوله (افهم الغالبون) قال قتادة: افهم الغالبون رسول الله مع ما يشاهدونه من نصر الله له في مقام بعد مقام، توبيخا لهم، فكأنه قال: ما حملهم على الاعراض الا الاغترار بطول الامهال حيث لم يعاجلوا بالعقوبة. ثم قال لنبيه محمد صلى الله عليه وآله (قل) لهم (إنما أنذركم بالوحي) اي أعلمكم وأخوفكم بما أوحى الله إلي. ثم شبههم بالصم الذين لا يسمعون النداء إذا نودوا، فقال (ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون) اي يخوفون، من حيث لم ينتفعوا بدعاء من دعاهم، ولم يلتفتوا إليه، فسماهم صما مجازا وتوسعا.

1 - تفسير القرطبي 11 / 291 والطبري 17 / 20 والشوكاني 3 / 395.

2 - سورة 2 البقرة آية 282.

3 - سورة 12 يوسف آية 10.