قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا، فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا، قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيًّا، قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا، قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾
القراءة:
قرأ أبو عمرو ونافع في رواية ورش وقالون عنه (ليهب لك) بالياء (ربك غلاما) الباقون (لاهب) بالهمزة على الحكاية، وتقديره قال ربك لاهب لك. وقال الحسن: معناه لاهب لك بإذن الله (غلاما زكيا) أي صار بالبشارة كأنه وهب لها. وضعف أبو عبيدة قراءة أبي عمرو، لأنها خلاف المصحف. قال ابن خالويه: حجة أبي عمرو أن حروف المد واللين وذوات الهمز يحول بعضها إلى بعض، كما قرئ (ليلا) بالياء - والأصل الهمزة: (لئلا) قال أبو علي النحوي: من قرأ - بالياء - يجوز أن يكون أراد الهمزة، وإنما قلبها ياء على مذهب أبي الحسن أو جعلها بين بين قول الخليل. وفى قراءة أبي وابن مسعود (ليهب) بالياء، وهو الأجود، ومعنى " زكيا " ناميا على الخير والبركة يقول الله تعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله " اذكر في الكتاب مريم " والذكر إدراك النفس للمعنى بحضوره في القلب، والأذكار احضار النفس المعنى، وقد يكون الذكر قولا يحضر المعنى للنفس، والمراد بالكتاب - ههنا - القرآن وإنما سمي كتابا، لأنه مما يكتب. وقوله " إذ انتبذت من أهلها " فالانتباذ اتخاذ الشئ بالقاء غيره عنه، والأصل الالقاء من قولهم: نبذه وراء ظهره أي ألقاه، وفي هذا الطعام نبذ من شعير اي مقدار كف منه، والنبذ الطرح. وقال قتادة: معنى انتبذت انفردت. وقيل: معناه اتخذت مكانا تنفرد فيه بالعبادة. وقيل معناه تباعدت. وقوله " مكانا شرقيا " يعني الموضع الذي في جهة الشرق، قال جرير:
هبت جنوبا فذكرى ما ذكرت لكم * عند الصفاة التي شرقي حورانا ( 1 )
وقال السدي: معنى " فاتخذت من دونهم حجابا " أي حجابا من الجدران. قال ابن عباس: إنما جعلت النصارى قبلتهم إلى المشرق، لان مريم اتخذت من جهة المشرق موضع صلاتها. وقال ابن عباس: معنى " من دونهم حجابا " أي من الشمس جعله الله لها ساترا. وقوله " فأرسلنا إليها روحنا " قال الحسن وقتادة والضحاك والسدي، وابن جريج، ووهب بن منية: يعني جبرائيل (ع) وسماه الله (روحا) لأنه روحاني لا يشبه شيئا من غير الروح. وخص بهذه الصفة تشريفا له. وقيل لأنه تحيا به الأرواح بما يؤديه إليهم من أمر الأديان والشرائع. وقوله " فتمثل لها بشرا سويا " أي تمثل لها جبرائيل في صورة البشر " سويا " أي معتدلا، فلما رأته مريم، " قالت إني أعوذ بالرحمن منك ان كنت تقيا " تخاف عقوبة الله. فان قيل كيف تعوذت منه إن كان تقيا؟والتقي لا يحتاج أن تتعوذ منه، وإنما يتعوذ من غير التقي!! قيل المعنى في ذلك إن التقي للرحمن إذا تعوذ بالرحمن منه ارتدع عما يسخط الله، ففي ذلك تخويف وترهيب، كما يقول القائل: إن كنت مؤمنا، فلا تظلمني، وتكون هي غير عالمة بأنه تقي أم لا، فلما سمع جبرائيل منها هذا القول، قال لها: " إنما أنا رسول ربك " أرسلني الله لأبشرك بأنه يهب " لك غلاما " ذكرا " زكيا " طاهرا من الذنوب. وقيل: ناميا في أفعال الخير. فقالت مريم عند ذلك متعجبة من هذا القول: " أنى يكون لي غلام " أي كيف يكون ذلك " ولم يمسسني بشر " بالجماع على وجه الزوجية " ولم أك بغيا " أي لم أكن زانية - في قول السدى وغيره -. و (البغي) التي تطلب الزنا، لان معنى تبغيه تطلبه، و " لم أك " أصلها لم أكن لأنه من (كان، يكون) وإنما حذفت النون، لاستخفافها على ألسنتهم، ولكثرة استعمالهم لها، كما حذفوا الألف في (لم أبل) واصله (لم أبالي) لأنه من المبالاة وكقولهم: (لا أدر) وقولهم: (أيش) واصله أي شئ، ومثله: لا أب لشانئك واصله لا أبا لشانئك، ومثله كثير.
1 - تفسير الطبري 16 / 42.