وإذ جرى مدح المهاجرين ، جاء السياق ليمدح الأنصار ، بقوله (وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ) يعني المدينة ، وهي دار الهجرة ، ومعنى «تبوؤا» اتخذوها منزلا ، ومبوءا ، من «باء» بمعنى رجع ويسمى المنزل مبوءا لأن الإنسان كلما خرج رجع إليه (وَالْإِيمانَ) أي تبوؤا الإيمان ، فهو كالمنزل الذي يتخذه الإنسان محل استراحة ورجوع ، فكلما نزل به أمر رجع إلى الإيمان يستلهمه العلاج والخلاص ، أو أن التقدير «آثروا الإيمان» (مِنْ قَبْلِهِمْ) أي قبل هجرة المهاجرين إلى المدينة ، فإن أهل المدينة آمنوا قبل هجرة المهاجرين (يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ) من مكة وسائر القرى الكافرة ـ وهذا هو خبر «الذين» ـ والمعنى كما أن للمهاجرين المدح بما تقدم ، للأنصار المدح بأنهم يحبون المهاجرين (وَلا يَجِدُونَ) أي هؤلاء الأنصار (فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا) أي لا يحسدون المهاجرين من جهة ما آتاهم الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم من غنائم بني النضير ، (وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ) أي يقدمون المهاجرين في الإسكان والإحسان ، على أنفسهم (وَلَوْ كانَ بِهِمْ) أي بهؤلاء الأنصار (خَصاصَةٌ) أي احتياج وفقر ، فإنهم يرجحون المهاجرين على حاجة أنفسهم ، ومثل هذا الإنسان أعظم ثوابا ممن ينفق وهو غني. (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ) أي من يحفظ بلطف الله سبحانه ، من بخل النفس ، بأن لا تغلبه نفسه فتبخل (فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) أي الفائزون بالدرجات الرفيعة.