ثم عطف السياق نحو القرآن بقوله (وَلَوْ جَعَلْناهُ) أي جعلنا هذا القرآن (قُرْآناً أَعْجَمِيًّا) بغير لغة العرب (لَقالُوا) أي لقالت العرب (لَوْ لا) أي هلّا (فُصِّلَتْ) وبينت بلغتنا (آياتُهُ)؟ حتى نفهمه ، فنؤمن به ، وقالوا تبريرا لعدم إيمانهم (أَعْجَمِيٌ) القرآن (وَعَرَبِيٌ) من خوطب به : كيف يكون هذا؟ وجعلوا ذلك وسيلة لعدم الإيمان ، أمّا والقرآن عربي ، والرسول منهم (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ) (1) فما عذرهم؟ (قُلْ) يا رسول الله (هُوَ) القرآن أنزله الله عربيا ، حتى يقطع عذركم ، فهو (لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً) من الضلالة (وَشِفاءٌ) من أمراض القلب كالحسد والغل والقلق ، وسائر الأوجاع النفسية ، أو الأعم منها ، ومن الأوجاع البدنية (وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ) بالقرآن ليس من جهة نقص في القرآن ، بل من جهة أنهم (فِي آذانِهِمْ وَقْرٌ) أي حمل ثقيل مانع عن استماعه ، وهذا كناية عن إعراضهم عن الحق ، فهم كالأصمّ الذي في أذنه ثقل لا يسمع ، فلا يسمع حتى يعلم ـ بعلاقة المشابهة ـ (وَهُوَ) أي القرآن (عَلَيْهِمْ) أي على الذين لا يؤمنون (عَمًى) إذ أن القرآن يوجب أن ينصرفوا عن الحق ، انصراف الأعمى عن الطريق ، فكأنه يولد فيهم العمى ، والإنسان يرى بعض الناس ، يقرون بالحق نوعا ما ، فإذا جاءهم الحق واضحا ، تعاموا حتى عما (1) الجمعة : 3. كانوا يعترفون به ، عنادا وحسدا ، أو المراد أنهم كالأصم والأعمى ، لا يبصرون الحق ، ولا يسمعون الصدق (أُولئِكَ) الكفار كالذين (يُنادَوْنَ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ) حيث لا يسمعون ولا يفهمون ، كمن إذا نودي من البعد ، لا يسمع ولا يفهم ، فهذا من باب تشبيه حالهم في الإعراض ، بمن ينادى من بعيد.