وإن هؤلاء المنافقين الذين يعوقون الناس ، ولا يحضرون الحرب ، يكونون (أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ) أيها المؤمنون الصادقون ، وأشحة جمع شحيح ، بمعنى البخيل ، أي أنهم بالنسبة إليكم بخلاء ، لا يبذلون مالا ولا نفسا (فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ) بأن تجمعت الأعداء ، ووجب الجهاد (رَأَيْتَهُمْ) أيها الرسول ، أو أيها الرائي (يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ) أي تتقلب من هنا وهناك كما هي عادة الخائف ، يدور بعينه ليجد ملجأ وملاذا ، وإنما يكفي النظر إلى الرسول ، أو إلى المؤمنين ، ليرى ماذا يأمر ، ويقولون : هل ما ينفعهم حتى يستريحوا؟ أم ما يزيد خوفهم؟ حتى يفكروا في النجاة والخلاص ، فيكثرون النظر ، لئلا يفوتهم شيء (كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ) وهو الذي قرب موته وغشيته أسبابه ، فإنه يكثر النظر هنا وهناك يتطلب علاجا ومناصا (فَإِذا ذَهَبَ الْخَوْفُ) وجاء الأمن والغنيمة (سَلَقُوكُمْ) أيها المؤمنون ، وسلق ، بمعنى صاح ورفع صوته (بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ) أي أنهم تكلموا معكم حول جهادهم المزعوم ، وحول حصتهم من الغنائم ، وحديد ضد الكليل أي ألسنة ذرية بليغة ، في جهر وصياح وجرأة ، كأنهم كانوا كل شيء ، وهكذا دائما الجبناء يعملون قليلا ويقولون كثيرا (أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ) أي الغنيمة ، فهم بخلاء غاية البخل ، أن يذهب ويفوتهم شيء من الغنيمة ، التي ما اشتركوا فيها (أُولئِكَ) الذين تلك صفاتهم ، وهم المنافقون في كل زمان (لَمْ يُؤْمِنُوا) إيمانا من الأعماق ، وإنما تظاهروا بالإيمان نفاقا (فَأَحْبَطَ اللهُ أَعْمالَهُمْ) أي أبطل ما عملوا من الأعمال الظاهرية ، لأنها لم تصدر من الإيمان (وَكانَ ذلِكَ) الإحباط لأعمالهم (عَلَى اللهِ يَسِيراً) فإنه لا يجازيهم ، لا يتمكن أحد منهم من معارضته ، كما كانوا يتمكنون من معارضة المؤمنين في الدنيا.