۞ تقريب القرآن إلى الأذهان

سورة طه، آية ٤٠

التفسير يعرض الآية ٤٠

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

إِذۡ تَمۡشِيٓ أُخۡتُكَ فَتَقُولُ هَلۡ أَدُلُّكُمۡ عَلَىٰ مَن يَكۡفُلُهُۥۖ فَرَجَعۡنَٰكَ إِلَىٰٓ أُمِّكَ كَيۡ تَقَرَّ عَيۡنُهَا وَلَا تَحۡزَنَۚ وَقَتَلۡتَ نَفۡسٗا فَنَجَّيۡنَٰكَ مِنَ ٱلۡغَمِّ وَفَتَنَّٰكَ فُتُونٗاۚ فَلَبِثۡتَ سِنِينَ فِيٓ أَهۡلِ مَدۡيَنَ ثُمَّ جِئۡتَ عَلَىٰ قَدَرٖ يَٰمُوسَىٰ ٤٠

۞ التفسير

تقريب القرآن إلى الأذهان

(إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ) الظرف متعلق بتصنع ، أي كان ذلك في زمان مشي أختك ، أو لأجل أن تصنع على عيني قدرنا مشي أختك (فَتَقُولُ) أختك لآل فرعون ، حيث أرادوا لك مرضعة (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى مَنْ يَكْفُلُهُ) يقوم بشؤونه؟ (فَرَجَعْناكَ) يا موسى (إِلى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها) برؤيتك وحياطتك ، وقرار العين كناية عن السرور ، مقابل الواله الذي تطير عينه هنا وهناك (وَلا تَحْزَنَ) لا يحزن قلبها ، فيضفي رجوعك عليها الهدوء والسكينة في ظاهرها وباطنها. ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين ، فوضعته في التابوت وأطبقت عليه وألقته في النيل ، وكان لفرعون قصور على شط النيل منزهات ، فنظر من قصره ومعه آسية امرأته إلى سواد في النيل ترفعه الأمواج ، والرياح تضربه حتى جاءت به إلى باب قصره ، فأمر فرعون بأخذه فأخذ التابوت ورفع إليه ، فلما فتحه وجد فيه صبيا ، فقال : هذا إسرائيلي ، فألقى الله في قلب فرعون لموسى محبة شديدة وكذلك في قلب آسية ، وأراد فرعون أن يقتله فقالت آسية : لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا وهم لا يشعرون أنه موسى ، ولم يكن لفرعون ولد فقال : ادنوا له ظئرا لتربيته ، فجاءوا بعدة نساء قد قتل أولادهن فلم يشرب لبن أحد من النساء وهو قول الله تعالى : (وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ) (1) وبلغ أمه أن فرعون قد أخذه فحزنت وبكت كما قال الله تعالى : (وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ) ، قال : كادت أن تخبر بخبره أو تموت ثم حفظت نفسها فكانت كما قال الله : لو لا أن ربطنا على قلبها لتكون من المؤمنين ، ثم قالت لأخته : قصيه ، أي اتبعيه ، فجاءت أخت موسى إلى قصر فرعون ، فبصرت به عن جنب أي عن بعد وهم لا يشعرون ، فلما لم يقبل موسى بأخذ ثدي أحد من النساء اغتم فرعون غما شديدا ، فقالت أخت موسى : هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون؟ فقالوا : نعم. فجاءت بأمه فلما أخذته بحجرها ، وألقمته ثدييها التقمه وشرب ، ففرح فرعون وأهله وأكرموا أمه ، فقال لها : ربيه لنا فإنا نجزيك خيرا ، وقد كان الفصل بين إلقاء الأم لموسى في البحر ورده إليها (1) القصص : 13. ثلاثة أيام (1) (وَقَتَلْتَ) يا موسى (نَفْساً) من القبط ، فقد كان في مصر طائفتان ، القبط وهم قوم فرعون ، والإسرائيليون وهم أحفاد يعقوب ، وكان القبط كفارا والإسرائيليون مسلمون حيث ورثوا الدين والإسلام عن آبائهم ، فقد قال لهم يعقوب حين موته : (إِنَّ اللهَ اصْطَفى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) (2) فمر موسى ذات يوم على رجلين أحدهما قبطي والآخر إسرائيلي يتشاجران فاستغاث بموسى الإسرائيلي ، وهناك تقدم موسى وضرب القبطي ضربة مات منها (فَنَجَّيْناكَ مِنَ الْغَمِ) حيث أمرناك وألهمنا إليك أن تفر من مصر لئلا يقتلك فرعون ، فقد جاءه آت ليقول له : (إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ) (3) (وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً) أي اختبرناك اختبارا ، وابتليناك ابتلاء من الخوف في مصر ، ثم قتل القبطي ، ثم الفرار من الوطن واجلا خائفا ثم غير ذلك من أنواع المصائب ، التي تؤهل الإنسان للقيام بالمهام فبعد ذلك كله (فَلَبِثْتَ) وبقيت (سِنِينَ) عشرة (فِي أَهْلِ مَدْيَنَ) عند شعيب النبي عليه‌السلام حيث تزوج موسى بابنته ، ومدين على ثمان مراحل من مصر ـ كما في الصافي ـ (ثُمَ) بعد تلك الامتحانات والمشاق (جِئْتَ عَلى قَدَرٍ) بتقدير من الله ، لإنجاز المهمة وأداء الرسالة (يا مُوسى) فلتتذكر النعم ، ولتستعد للرسالة.