۞ نور الثقلين

سورة الأحزاب، آية ١٨

التفسير يعرض الآية ١٨

الميزان في تفسير القرآن تقريب القرآن إلى الأذهان نور الثقلين مجمع البيان في تفسير القرآن تفسير شبر التبيان في تفسير القرآن

۞ الآية

فتح في المصحف

۞ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ١٨

۞ التفسير

نور الثقلين

٣٧

في نهج البلاغة من كتاب له عليه السلام إلى معاوية جوابا ثم ذكرت ما كان من امرى وامر عثمان ولك ان تجاب عن هذه لرحمك منه، فأينا كان اعدى له واهدى إلى مقاتله، امن بذل له نصرته فاستنقذه واستكفه أم من استنصره فتراخى عنه وبث المنون إليه حتى اتى قدره عليه؟كلا والله لقد علم الله المعوقين منكم و القائلين لاخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس الا قليلا.

٣٨

في تفسير علي بن إبراهيم قوله عز وجل: (يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا * إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم) الآية فإنها نزلت في قصة الأحزاب من قريش والعرب الذين تحزبوا على رسول الله صلى الله عليه وآله، قال: وذلك أن قريشا تجمعت في سنة خمس من الهجرة وساروا في العرب وجلبوا واستنفروهم لحرب رسول الله صلى الله عليه وآله فوافوا في عشرة آلاف ومعهم كنانة وسليم وفزارة، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله حين جلى بنى النضير وهم بطن من اليهود من المدينة وكان رئيسهم حبى ابن أخطب وهم يهود من بنى هارون على نبينا وعليه السلام فلما أجلاهم من المدينة صاروا إلى خيبر وخرج حيى بن أخطب إلى قريش بمكة وقال لهم: ان محمدا قد وتركم و وترنا وأجلانا من المدينة من ديارنا وأموالنا واجلا بنى عمنا بنى قينقاع فسيروا في الأرض وأجمعوا حلفاءكم وغيرهم وسيروا إليهم فإنه قد بقي من قومي بيثرب سبعمأة مقاتل وهم بنو قريظة، وبينهم وبين محمد عهد وميثاق وانا احملهم على نقض العهد بينهم وبين محمد، ويكونوا معنا عليهم فتأتونه أنتم من فوق وهم من أسفل، وكان موضع بني قريظة من المدينة على قدر ميلين، وهو الموضع الذي يسمى بئر بني المطلب، فلم يزل يسير معهم حيى بن أخطب في قبائل العرب حتى اجتمعوا قدر عشرة آلاف من قريش وكنانة والأقرع بن حابس في قومه، والعباس بن مرداس في بنى سليم فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله فاستشار أصحابه وكانوا سبعمأة رجل فقال سلمان رضي الله عنه: يا رسول الله ان القليل لا يقاوم الكثير في المطاولة ( 1 ) ولا يمكنهم ان يأتونا من كل وجه، فانا كنا معاشر العجم في بلاد فارس إذا دهمنا دهم ( 2 ) من عدونا نحفر الخنادق فيكون الحرب من مواضع معروفة، فنزل جبرئيل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وآله فقال: أشار بصواب، فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله بحفرة من ناحية أحد إلى راتج ( 3 ) وجعل على كل عشرين خطوة وثلثين خطوة قوما من المهاجرين والأنصار يحفرونه فأمر فحملت المساحي والمعاول، وبدأ رسول الله صلى الله عليه وآله واخذ معولا فحفر في موضع المهاجرين بنفسه، وأمير المؤمنين صلوات الله عليه وآله ينقل التراب منن الحفرة حتى عرق رسول الله صلى الله عليه وآله وعيي وقال: لا عيش الا عيش الآخرة، اللهم ارحم للأنصار والمهاجرين فلما نظر الناس إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يحفر اجتهدوا في الحفر ونقل التراب، فلما كان في اليوم الثاني بكروا إلى الحفر وقعد رسول الله صلى الله عليه وآله في مسجد الفتح، فبينا المهاجرين والأنصار يحفرون إذ عرض لهم جبل لم تعمل المعاول فيه، فبعثوا جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله يعلمه بذلك، قال جابر: فجئت إلى المسجد ورسول الله مستلقى على قفاه وردائه تحت رأسه وقد شد على بطنه حجرا، فقلت: يا رسول الله انه قد عرض لنا جبل لم تعمل المعاول فيه، فقام مسرعا حتى جاءه ثم دعا بماء في اناء فغسل وجهه وذراعيه ومسح على رأسه ورجليه ثم شرب ومج في ذلك الماء ثم صبه على ذلك الحجر، ثم أخذ معولا فضرب ضربة فبرقت برقة فنظرنا فيها إلى قصور الشام، ثم ضرب أخرى فبرقت برقة نظرنا فيها إلى قصور المدائن، ثم ضرب أخرى فبرقت برقة أخرى فنظرنا فيها إلى قصور اليمن، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اما انه سيفتح الله عليكم هذه المواطن التي برقت فيها البرق ثم انهال علينا الجبل ( 4 ) كما ينهال علينا الرمل فقال جابر: فعلمت ان رسول الله صلى الله عليه وآله مقو، أي جائع لما رأيت على بطنه الحجر، فقلت: يا رسول الله هل لك في الغذاء؟قال: ما عندك يا جابر؟فقلت: عناق ( 5 ) وصاع من شعير. فقال: تقدم وأصلح ما عندك، قال جابر: فجئت إلى أهلي فأمرتها فطحنت الشعير وذبحت العنز وسلختها وأمرتها ان تخبز وتطبخ وتشوى فلما فرغت من ذلك جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقلت: بأبي أنت وأمي يا رسول الله قد فرغنا فاحضر مع من أحببت. فقام صلى الله عليه وآله إلى شفير الخندق ثم قال: يا معاشر المهاجرين والأنصار أجيبوا جابرا قال جابر: فكان في الخندق سبعمأة رجل، فخرجوا كلهم ثم لم يمر بأحد من المهاجرين والأنصار الا قال: أجيبوا جابرا قال جابر: فتقدمت وقلت لأهلي: قد والله أتاك محمد رسول الله صلى الله عليه وآله بما لا قبل به ( 6 ) فقالت: أعلمته أنت بما عندنا؟قال: نعم قالت: فهو أعلم بما أتى، قال جابر: فدخل رسول الله فنظر في القدر ثم قال: اغرفي وأبقى، ثم نظر في التنور ثم قال: أخرجي وأبقى، ثم دعا بصفحة ( 7 ) فثرد فيها وغرف، فقال: يا جابر ادخل عشرة عشرة، فأدخلت عشرة فأكلوا حتى نهلوا ( 8 ) وما يرى في القصعة الا آثار أصابعهم ثم قال: يا جابر على بالذراع فأتيته بالذراع فأكلوا وخرجوا ثم قال: ادخل على عشرة فأدخلتهم فأكلوا حتى نهلوا ولم ير في القصعة الا آثار أصابعهم، ثم قال: يا جابر على بالذراع فأكلوا و خرجوا ثم قال: ادخل على عشرة فأدخلتهم فأكلوا حتى نهلوا ولم ير في القصعة الا آثار أصابعهم ثم قال: يا جابر على بالذراع فأتيته بالذراع فقلت: يا رسول الله كم للشاة من ذراع؟قال: ذراعان قلت: والذي بعثك بالحق نبيا لقد أتيتك بثلاثة، فقال: لو سكت يا جابر لاكل الناس كلهم من الذراع، قال جابر: فأقبلت ادخل عشرة عشرة فيأكلون حتى أكلوا كلهم وبقى والله لنا من ذلك الطعام ما عشنا به أياما قال: وحفر رسول الله صلى الله عليه وآله الخندق وجعل له ثمانية أبواب وجعل على كل باب رجلا من المهاجرين ورجلا من الأنصار مع جماعة يحفظونه، وقدمت قريش و كنانة وسليم وهلال فنزلوا الزغابة ( 9 ) ففرغ رسول الله صلى الله عليه وآله من حفر الخندق قبل قدم قريش بثلاثة أيام، وأقبلت قريش ومعهم حيى بن اخطب، فلما نزلوا العقيق ( 10 ) جاء حيى بن أخطب إلى بني قريظة في جوف الليل وكانوا في حصنهم قد تمسكوا بعهد رسول الله صلى الله عليه وآله فدق باب الحصن فسمع كعب بن أسد قرع الباب، فقال لأهله: هذا أخوك قد شأم قومه ( 11 ) وجاء الان يشأ منا ويهلكنا ويأمرنا بنقض العهد بيننا و بين محمد، وقد وفى لنا محمد وأحسن جوارنا، فنزل إليه من غرفته فقال له: من أنت؟قال: حيى بن أخطب، قد جئتك بعز الدهر، فقال كعب: بل جئتني بذل الدهر، فقال: يا كعب هذه قريش في قادتها وسادتها قد نزلت بالعقيق مع حلفائهم من كنانة، وهذه فزارة مع قادتها وسادتها قد نزلت الزغابة. وهذه سليم وغيرهم قد نزلوا حصن بنى ذبيان، ولا يفلت محمد من هذا الجمع ابدا فافتح الباب وانقض العهد الذي بينك وبين محمد، فقال كعب: لست بفاتح لك الباب ارجع من حيث جئت، فقال حيى: ما يمنعك من فتح الباب الا جشيشتك ( 12 ) التي في التنور تخاف ان أشركك فيها فافتح فإنك آمن من ذلك فقال له كعب: لعنك الله قد دخلت على من باب دقيق ثم قال: افتحوا له الباب، ففتح له فقال: ويلك يا كعب انقض العهد الذي بينك وبين محمد ولا ترد رأيي فان محمدا لا يفلت من هذه الجموع ابدا، فان فاتك هذا الوقت لا تدرك مثله أبدا. قال: واجتمع كل من كان في الحصن من رؤساء اليهود مثل غزال بن شمول وياسر بن قيس ورفاعة بن زيد والزبير بن باطا فقال لهم كعب: ما ترون؟قالوا: أنت سيدنا والمطاع فينا وصاحب عهدنا، فان نقضت نقضنا وان أقمت أقمنا معك، وان خرجت خرجنا معك، فقال الزبير بن باطا - وكان شيخا كبيرا مجربا وقد ذهب بصره -: قد قرأت التوراة التي أنزلها الله في سفرنا بأنه يبعث نبيا في آخر الزمان يكون مخرجه بمكة ومهاجرته إلى المدينة في هذه البحيرة ( 13 ) يركب الحمار العرى ويلبس الشملة ويجتزى بالكسيرات والتميرات وهو الضحوك القتال، في عينيه الحمرة وبين كتفيه خاتم النبوة، يضع سيفه على عاتقه لا يبالي من لاقى، يبلغ سلطانه منقطع الخف والحافر، فإن كان هذا هو فلا يهولنه هؤلاء جمعهم ولو ناوته ( 14 ) هذه الجبال الرواسي لغلبها، فقال حيى: ليس هذا ذاك ذاك النبي من بني إسرائيل وهذا من العرب من ولد إسماعيل، ولا يكون بنو إسرائيل اتباعا لولد إسماعيل ابدا لان الله قد فضلهم على الناس جميعا، وجعل فيهم النبوة والملك، وقد عهد إلينا موسى الا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار، وليس مع محمد آية وانما جمعهم جمعا وسخرهم ويريد ان يغلبهم بذلك فلم يزل يقلبهم عن رأيهم حتى أجابوه فقال لهم: اخرجوا الكتاب الذي بينكم وبين محمد فأخرجوه فأخذه حيى بن أخطب ومزقه وقال: قد وقع الامر فتجهزوا وتهيأوا للقتال وبلغ رسول الله صلى الله عليه وآله ذلك فغمه غما شديدا، وفزع أصحابه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله لسعد بن معاذ وأسيد بن حصين و كانا من الأوس وكانت بنو قريظة حلفاء الأوس فانظرا ما صنعوا فان كانوا نقضوا العهد فلا تعلما أحدا إذا رجعتما إلى وقولا عضل والقارة ( 15 ) فجاء سعد بن معاذ وأسيد بن حصين إلى باب الحصن فأشرف عليهما كعب من الحصن فشتم سعدا وشتم رسول الله صلى الله عليه وآله. فقال له سعد: انما أنت ثعلب في جحر لتولين قريش وليحاصرنك رسول الله ثم (لينزلنك؟) على الصغر والقماء ( 16 ) وليضربن عنقك، ثم رجعا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله فقالا: عضل والقارة ( 17 ) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: لعنا نحن أمرناهم بذلك وذلك أنه كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله عيون لقريش يتجسسون أخباره ( 18 ) وكانت عضل والقارة قبيلتان من العرب دخلا في الاسلام ثم غدرا فكان إذا عدل أحد ضرب بهما المثل فيقال: عضل والقارة. ورجع حيى بن أخطب إلى أبي سفيان وقريش فأخبرهم بنقض بني قريظة العهد بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله: ففرحت قريش بذلك، فلما كان في جوف الليل جاء نعيم بن مسعود الأشجعي إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وقد كان أسلم قبل قدوم قريش بثلاثة أيام فقال: يا رسول الله قد آمنت بالله وصدقتك وكتمت ايمانى عن الكفرة، فان أمرتني أن آتيك بنفسي وأنصرك بنفسي فعلت، وان أمرتني ان أخذل بين اليهود وبين قريش فعلت حتى لا يخرجوا من حصنهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: اخذل بين اليهود وبين قريش فإنه أوقع عندي، قال: فتأذن لي ان أقول فيك ما أريد؟قال: قل ما بدا لك، فجاء إلى أبي سفيان فقال له: أتعرف مودتي لكم ونصحي ومحبتي أن ينصركم الله على عدوكم، وقد بلغني ان محمدا قد وافق اليهود ان يدخلوا بين عسكركم ويميلوا عليكم ووعدهم إذا فعلوا ذلك أن يرد عليهم جناحهم الذي قطعه بنى النضير وقينقاع، فلا أرى ان تدعوهم أن يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم رهنا تبعثوا به إلى مكة فتأمنوا مكرهم وغدرهم، فقال أبو سفيان: وفقك الله وأحسن جزاك مثل من اهدى النصائح، ولم يعلم أبو سفيان باسلام نعيم ولا أحد من اليهود، ثم جاء من فوره إلى بني قريظة فقال له: يا كعب تعلم مودتي لكم وقد بلغني ان أبا سفيان قال: نخرج بهؤلاء اليهود فنضعهم في نحر محمد فان ظفروا كان الذكر لنا دونهم، وإن كانت علينا كانوا هؤلاء مقاديم الحرب فما أرى لكم أن تدعوهم يدخلوا عسكركم حتى تأخذوا منهم عشرة من أشرافهم يكونون في حصنكم، انهم ان لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يردوا عليكم عهدكم وعقدكم بين محمد وبينكم، لأنه ان ولت قريش ولم تظفروا بمحمد عزاكم محمد فيقتلكم، فقالوا: أحسنت وأبلغت في النصيحة لا نخرج من حصننا حتى نأخذ منهم رهنا يكونون في حصننا. وأقبلت قريش فلما نظروا إلى الخندق قالوا: هذه مكيدة ما كانت العرب تعرفها قبل ذلك، فقيل لهم: هذا من تدبير الفارسي الذي معه، فوافى عمرو بن عبد ود وهبيرة بن وهب وضرار بن الخطاب إلى الخندق، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله قد صف أصحابه بين يديه فصاحوا بخيلهم حتى طفروا الخندق ( 19 ) إلى جانب رسول الله فصاروا أصحاب رسول الله كلهم خلف رسول الله وقدموا رسول الله صلى الله عليه وآله بين أيديهم، وقال رجل من المهاجرين وهو فلان لرجل بجنبه من اخوانه: اما ترى هذا الشيطان عمروا لا والله ما يفلت من يديه أحد، فهلموا ندفع إليه محمدا ليقتله ونلحق نحن بقومنا، فأنزل الله عز وجل: على نبيه صلى الله عليه وآله في ذلك الوقت: قد يعلم الله المعوقين منكم والقائلين لاخوانهم هلم إلينا ولا يأتون البأس الا قليلا أشحة عليكم إلى قوله تعالى: أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فاحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرا وركز عمرو بن عبد ود رمحه في الأرض وأقبل يجول جولة ويرتجز ويقول: ولقد بححت من النداء لجمعكم هل من مبارز ووقفت إذ جبن الشجاع مواقف القرن المناجز ( 20 ) انى كذلك لم أزل متسرعا نحو الهزاهز ان الشجاعة في الفتى والجود من خير الغرايز ( 21 ) فقال رسول الله صلى الله عليه وآله: من لهذا الكلب؟فلم يجبه أحد فوثب إليه أمير المؤمنين صلوات الله عليه فقال: أنا له يا رسول الله، فقال: يا علي هذا عمرو بن عبد ود فارس يليل ( 22 ) فقال: أنا علي بن أبي طالب، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله ادن منى فدنا منه فعممه بيده ودفع إليه سيفه ذا الفقار وقال له: اذهب وقاتل بهذا وقال: اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ومن فوقه ومن تحته، فمر أمير المؤمنين صلوات الله عليه يهرول في مشيه وهو يقول: لا تعجلن فقد أتاك مجيب صوتك غير عاجز ذو نية وبصيرة والصدق منجى كل فائز انى لأرجو ان أقيم عليك نائحة الجنائز من ضربة نجلاء يبقى صيتها الهزاهز ( 23 ) فقال له عمرو: من أنت؟قال: انا علي بن أبي طالب ابن عم رسول الله وختنه فقال: والله ان أباك كان لي صديقا ونديما وانى أكره أن أقتلك. ما امن ابن عمك حين بعثك إلى أن اختطفك برمحي هذا فأتركك شائلا ( 24 ) بين السماء والأرض لا حي ولا ميت، فقال له أمير المؤمنين صلوات الله عليه: قد علم ابن عمى انك ان قتلتني دخلت الجنة وأنت في النار، وان قتلتك فأنت في النار وأنا في الجنة. فقال عمرو: كلتاهما لك يا علي، تلك إذا قسمة ضيزى فقال على صلوات الله عليه: دع هذا يا عمرو انى سمعت منك وأنت متعلق بأستار الكعبة تقول: لا يعرضن على أحد في الحرب ثلاث خصال الا أجبته إلى واحدة منها، وانا أعرض إليك ثلاث خصال فأجبني إلى واحدة قال: هات يا علي، قال: أحدها تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، قال: نح عنى هذا فاسأل الثانية، فقال: ان ترجع وترد هذا الجيش عن رسول الله صلى الله عليه وآله فان يك صادقا فأنتم أعلى به عينا وان يك كاذبا كفتكم ذؤبان العرب أمره ( 25 ) قال: إذا تتحدث نساء قريش وتنشد الشعراء في أشعارها انى جبنت ورجعت على عقبى من الحرب وخذلت قوما رأسوني عليهم؟فقال له أمير المؤمنين: فالثالثة ان تنزل إلى قتالي فإنك فارس وانا راجل حتى أنابذك ( 26 ) فوثب عن فرسه وعرقبه ( 27 ) وقال: هذه خصلة ما ظننت ان أحدا من العرب يسومني عليها ( 28 ) ثم بدأ فضرب أمير المؤمنين صلوات الله عليه بالسيف على رأسه فاتقاه أمير المؤمنين بالدرقة ( 29 ) فقطعها وثبت السيف على رأسه فقال له على صلوات الله عليه: يا عمر وما كفاك انى بارزتك وأنت فارس العرب حتى استعنت على بظهير؟فالتفت عمرو إلى خلفه فضربه أمير المؤمنين صلوات الله عليه مسرعا إلى ساقيه فقطعهما جميعا وارتفعت بينهما عجاجة ( 30 ) فقال المنافقون: قتل علي بن أبي طالب، ثم انكشفت العجاجة ونظروا فإذا أمير المؤمنين صلوات الله عليه على صدره قد أخذ بلحيته يريد أن يذبحه ثم أخذ رأسه وأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله والدماء تسيل على رأسه من ضربة عمرو، وسيفه يقطر منه الدم وهو يقول والرأس بيده: انا ابن عبد المطلب ( 31 ) * الموت خير للفتى من الهرب فقال رسول الله صلى الله عليه وآله يا علي ماكرته؟قال: نعم يا رسول الله الحرب خديعة وبعث رسول الله الزبير إلى هبيرة بن وهب فضربه على رأسه ضربة فلق هامته وأمر رسول الله صلى الله عليه وآله عمر بن الخطاب أن يبارز ضرار بن الخطاب، فلما برز إليه ضرار انتزع له عمر سهما فقال له ضرار: ويلك يا ابن صهاك أترميني في مبارزة والله لئن رميتني لا تركت عدويا بمكة الا قتلته، فانهزم عند ذلك عمر، ومر نحوه ضرار وضربه ضرار على رأسه بالقناة ثم قال: احفظها يا عمر فانى آليت الا أقتل قرشيا ما قدرت عليه فكان عمر يحفظ له ذلك بعد ما ولى وولاه. فبقي رسول الله صلى الله عليه وآله يحاربهم في الخندق خمسة عشر يوما، فقال أبو سفيان لحيى بن اخطب: ويلك يا يهودي أين قومك؟فصار حيى بن أخطب إليهم فقال: ويلكم اخرجوا فقد نابذكم الحرب فلا أنتم مع محمد ولا أنتم مع قريش؟فقال كعب: لسنا خارجين حتى تعطينا قريش عشرة من أشرافهم رهنا يكونون في حصننا انهم ان لم يظفروا بمحمد لم يبرحوا حتى يرد محمد علينا خلاف عهدنا وعقدنا فانا لا نأمن ان تمر قريش ونبقى نحن في عقر دارنا ويغزونا محمد فيقتل رجالنا ويسبي نسائنا و ذرارينا، وان لم نخرج لعله يرد علينا عهدنا، فقال له حيى بن أخطب: تطمع في غير مطمع، قد نابذت العرب محمدا الحرب فلا أنتم مع محمد ولا أنتم مع قريش، فقال كعب: هذا من شؤمك انما أنت طائر تطير مع قريش غدا وتتركنا في عقر دارنا و يغزونا محمد، فقال له: لك عهد الله على وعهد موسى انه ان لم يظفر قريش بمحمد انى أرجع معك إلى حصنك يصيبني ما يصيبك فقال كعب: هو الذي قد قلته لك ان أعطتنا قريش رهنا يكونون عندنا والا لم نخرج، فرجع حيى بن اخطب إلى قريش فأخبرهم فلما قال: يسألون الرهن قال أبو سفيان: هذا والله أول الغدر قد صدق نعيم بن مسعود لا حاجة في اخوان القردة والخنازير، فلما طال على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الامر واشتد عليهم الحصار وكانوا في وقت برد شديد واصابتهم مجاعة وخافوا من اليهود خوفا شديدا، وتكلم المنافقون بما حكى الله عز وجل عنهم ولم يبق أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله الا نافق الا القليل، وقد كان رسول الله أخبر أصحابه ان العرب تتحزب على ويجيئونا من فوق وتغدر اليهود ونخافهم من أسفل وانه يصيبهم جهد شديد ولكن يكون العاقبة لي عليهم، فلما جاءت قريش وغدرت اليهود قال المنافقون: (ما وعدنا الله ورسوله الا غرورا) وكان قوم لهم دور في أطراف المدينة فقالوا: يا رسول الله تأذن لنا ان نرجع إلى دورنا فإنها في أطراف المدينة وهو عورة، ونخاف اليهود ان يغيروا عليها؟وقال قوم: هلموا فنهرب ونصبر في البادية ونستجير بالاعراب، فان الذي يعدنا محمد كان باطلا كله، وكان رسول الله صلى الله عليه وآله أمر أصحابه ان يحرسوا المدينة بالليل وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه على العسكر كله بالليل يحرسهم، فان تحرك أحد من قريش نابذهم، وكان أمير المؤمنين صلوات الله عليه يجوز الخندق ويصير إلى قرب قريش حيث يراهم فلا يزال الليل كله قائما وحده يصلى فإذا أصبح رجع إلى مركزه، ومسجد أمير المؤمنين صلوات الله عليه هناك معروف يأتيه من يعرفه فيصلى فيه وهو مسجد الفتح إلى العقيق أكثر من غلوة نشاب، فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وآله من أصحابه الجزع لطول الحصار صعد إلى مسجد الفتح وهو الجبل الذي عليه مسجد الفتح اليوم، فدعا الله عز وجل وناجاه فيما وعده وكان مما دعاه أن قال: يا صريخ المكروبين ويا مجيب دعوة المضطرين ويا كاشف الكرب العظيم أنت مولاي ووليي وولى آبائي الأولين، اكشف عنا غمنا وهمنا وكربنا، واكشف عنا شر هؤلاء القوم بقوتك وحولك وقدرتك، فنزل عليه جبرئيل عليه السلام فقال: يا محمد ان الله عز وجل قد سمع مقالتك و أجاب دعوتك وأمر الدبور وهي الريح مع الملائكة ان تهزم قريشا والأحزاب وبعث الله عز وجل على قريش الدبور فانهزموا وقلعت أخبيتهم، ونزل جبرئيل فأخبره بذلك فنادى رسول الله صلى الله عليه وآله حذيفة بن اليمان رضي الله عنه وكان قريبا منه فلم يجبه، ثم ناداه ثانيا فلم يجبه، ثم ناداه الثالثة فقال: لبيك يا رسول الله، قال: أدعوك فلا تجيبني؟قال: يا رسول الله بأبي أنت وأمي من الخفوف والبرد والجوع فقال: ادخل في القوم وائتنا بأخبارهم ولا تحدثن حدثا حتى ترجع إلى فان الله قد أخبرني انه قد ارسل الرياح على قريش وهزمهم، قال حذيفة: فمضيت وانا انتفض من البرد، فوالله ما كان الا بقدر ما جزت الخندق حتى كأني في حمام فقصدت خباء عظيما فإذا نار تخبو وتوقد، وإذا خيمة فيها أبو سفيان قد دلا خصيتيه على النار وهو ينتفض من شدة البرد و يقول: يا معشر قريش ان كنا نقاتل أهل السماء بزعم محمد فلا طاقة لنا بأهل السماء وان كنا نقاتل أهل الأرض فنقدر عليهم، ثم قال: لينظر كل رجل منكم إلى جليسه لا يكون لمحمد عين فيما بيننا قال حذيفة: فبادرت أنا فقلت للذي عن يميني: من أنت؟فقال: أنا عمرو بن العاص، ثم قلت للذي عن يسارى: من أنت؟قال: انا معاوية، و انما بادرت إلى ذلك لئلا يسألني أحد من أنت، ثم ركب أبو سفيان راحلته وهي معقولة ولولا أن رسول الله صلى الله عليه وآله قال: لا تحدث حدثا حتى ترجع إلى لقدرت ان أقتله ثم قال أبو سفيان لخالد بن الوليد: يا أبا سليمان لابد من أن أقيم أنا وأنت على ضعفاء الناس، ثم قال: ارتحلوا انا مرتحلون ففروا منهزمين، فلما أصبح رسول الله صلى الله عليه وآله قال لأصحابه: لا تبرحوا فلما طلعت الشمس دخلوا المدينة وبقى رسول الله صلى الله عليه وآله في نفر يسير وكان أبو عرقد الكناني رمى سعد بن معاذ بسهم في الخندق فقطع أكحله فنزفه الدم ( 32 ) فقبض سعد على أكحله بيده ثم قال: اللهم ان كنت أبقيت من حرب قريش شيئا فابقني لها فلا أحد أحب إلى محاربتهم من قوم حاربوا الله ورسوله، وإن كانت الحرب قد وضعت أوزارها بين رسول الله صلى الله عليه وآله وبين قريش فاجعلها لي شهادة ولا تمتني حتى تقر عيني من بني قريظة، فأمسكت الدم وتورمت يده وضرب له رسول الله صلى الله عليه وآله في المسجد خيمة وكان يتعاهده بنفسه. فأنزل الله عز وجل يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم و تروها وكان الله بما تعملون بصيرا إذ جاؤكم من فوقكم ومن أسفل منكم يعنى بني قريظة حين غدروا وخافوهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وإذ زاغت الابصار وبلغت القلوب الحناجر إلى قوله: ان يريدون الا فرارا وهم الذين قالوا لرسول الله صلى الله عليه وآله تأذن لنا نرجع إلى منازلنا فإنها في أطراف المدينة، ونخاف اليهود عليها. فأنزل الله عز وجل فيهم: ان بيوتنا عورة وما هي بعورة ان يريدون الا فرارا إلى قوله تعالى وكان ذلك على الله يسيرا ونزلت هذه الآية في الثاني لما قال لعبد الرحمن بن عوف: هلم ندفع محمدا إلى قريش ونلحق نحن بقومنا.